← عودة

قصة نوح

نوح

صانع السفينة

صانع السفينة

اكتشف قصة نوح عليه السلام، أول رسول بعد آدم عليه السلام، عبر 8 فصول مفصلة مبنية على القرآن والأحاديث الصحيحة.

شاهد القصة على YouTube

إرسال نوح عليه السلام

بعد وفاة آدم (عَلَيْهِ ٱلسَّلَامُ)، بقي الناس مسلمين زمناً طويلاً جداً، سنين طوالاً يسبّحون الله (سُبْحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ). إلى أن جاء اليوم الذي بلغت فيه الشياطين غايتها البغيضة.

في ذلك الزمان كان هناك رجال صالحون. ومنهم ودّ وسواع ويغوث ونسر، أي 5 أشخاص. فلما ماتوا، جاء الشيطان إلى قومهم فقال لهم: "لماذا لا تصنعون تماثيل على صورهم؟ ستعينكم على عبادة الله بتذكّرهم."

ومع مرور الوقت، وبعد أجيال، بدأ الناس يتوجهون مباشرة إلى هذه التماثيل، ثم يقدّسونها، ثم يعبدونها في النهاية.

ونظراً إلى هذه الحال، أرسل الله (سُبْحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ) أول رسول في التاريخ، ليدعو إلى ألا يُعبد إلا الله. إنه نوح (عَلَيْهِ ٱلسَّلَامُ)

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ

سورة هود، الآية 25

المصادر الأصيلة

القرآن: سورة هود 11:25

تسعمائة وخمسون سنة من الدعوة

دعا نوح (عليه السلام) قومه 950 سنة بصبر ومثابرة مثاليين. كان يدعوهم نهاراً وليلاً، سراً وجهراً.

كان الحكماء والزعماء وأشراف قومه أول من قام ضد نوح (عليه السلام). وكما هو الحال مع جميع الأنبياء، فإن ملأ القوم هم أول من يتصدى. جاؤوا إلى نوح (عليه السلام) وقالوا: "يا نوح، إن ما تطلبه منا ضلال مبين".

لكن نوحاً (عليه السلام) نبي، رسول يحسن الدعوة. لم يشتم، بل قال: "يا قوم، ليس بي ضلالة؛ ولكني رسول من رب العالمين. أبلّغكم رسالات ربي وأنصح لكم، وأعلم من الله ما لا تعلمون."

بقي نوح (عليه السلام) يدعو في قومه 950 سنة. أمرهم بعبادة الله، وألا يعبدوا التماثيل. 950 سنة من الدعوة بلا انقطاع، ليلاً ونهاراً. وكلما دعاهم فرّوا. بل أسوأ من ذلك، كانوا يجعلون أصابعهم في آذانهم لئلا يروه، ويجعلون ثيابهم على وجوههم. واستكبروا استكباراً شديداً.

استعمل نوح (عليه السلام) كل الوسائل في دعوته: "ثم إني دعوتهم جهاراً. ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسراراً."

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا

سورة العنكبوت، الآية 14

المصادر الأصيلة

القرآن: سورة العنكبوت 29:14 وسورة نوح 71:5-9

رفض القوم وعنادهم

قابل قوم نوح (عليه السلام) رسالته بالعداء والسخرية. كانوا يقولون: "ما أنت إلا بشر مثلنا، وما اتبعك إلا الأرذلون."

اتهموه بأنه يريد أن يتفضّل عليهم، ورفضوا رفضاً قاطعاً أن يتركوا أصنامهم. وكلما دعاهم نوح (عليه السلام) إلى الله، ازدادوا إمعاناً في ضلالهم.

كان ملأ قومه يحرّضون الآخرين على ألا يسمعوا له، قائلين: "لا تذرنّ آلهتكم: ودّاً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسراً." كانوا يخشون فقدان مكانتهم الاجتماعية ونفوذهم.

وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا

سورة نوح، الآية 23

المصادر الأصيلة

القرآن: سورة نوح 71:21-24 وسورة هود 11:27-28

دعاء نوح عليه السلام

لم يفقد نوح (عليه السلام) الأمل رغم كثرة السنين. لكنهم استمروا في السخرية قائلين: "فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين". فأجابهم نوح (عليه السلام) بثقة: "إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين".

ومع ذلك، حتى امرأة نوح (عليه السلام) لم تؤمن به، ولا ابنه. ولم يؤمن برسالته من قومه إلا عدد قليل. ولم يؤمن به إلا نفر قليل، من الفقراء والضعفاء.

في تلك اللحظة، أوحى الله (سُبْحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ) إلى نوح (عليه السلام) أن باب التوبة قد أُغلق من الآن. فأُوحي إلى نوح (عليه السلام): "أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون..."

باب التوبة مغلق الآن. لن يؤمن أحد بعد، ولا امرأته ولا ابنه. فدعا نوح (عليه السلام) ربه: "رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديّاراً". وقد سأل نوح (عليه السلام) ذلك رحمةً بهم، لأن هؤلاء الكافرين إن بقوا أحياء تراكمت عليهم ذنوب أكثر، وإن أنجبوا أولاداً كانوا كافرين أيضاً.

رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا

سورة نوح، الآية 26

المصادر الأصيلة

القرآن: سورة نوح 71:5-28

صنع السفينة

دعا نوح (عليه السلام) الله (سُبْحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ) أن يُهلك قومه، فلما دعا، أوحى إليه الله (سُبْحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ) أن يصنع السفينة. سفينة في وسط الصحراء! إنه أمر الله (سُبْحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ). سيأتي العذاب، لكن لا بد أولاً من صنع هذه السفينة. "واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون".

علّمه الله (سُبْحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ) كيف يغرس شجراً بعينه سنين، حتى تكاثر. ثم علّمه كيف يقطعه. وكان الناس يمرون ويتساءلون: "كان من قبل يدعونا إلى اتباع دينه وعبادة ربه، وهو الآن يشتغل بالأشجار ويعمل نجاراً مع الذين آمنوا به".

ثم علّمه الله (سُبْحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ) بعد ذلك كيف يركّب ألواح الخشب بـ"المسامير". ثم بدأ يصنع سفينة ضخمة في وسط الصحراء. وكان الناس يمرون فيقولون له: "يا نوح! هل جُننت؟ كنت من قبل تدعونا إلى دينك، وأنت الآن تصنع سفينة في وسط الصحراء؟"

يضحكون منه، ويسخرون، ويتهمونه بالجنون. لكن نوحاً (عليه السلام) صبور، قال: "إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون [منا]، فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه!"

وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ

سورة هود، الآية 37

المصادر الأصيلة

القرآن: سورة هود 11:37-40 وسورة المؤمنون 23:27

الطوفان والعذاب

فأوحى الله (سُبْحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ) إلى نوح (عليه السلام): "ستكون هناك علامة، فإذا رأيتها فاركبوا، أنت والذين آمنوا، هذه السفينة."

قد تمّت السفينة الآن وصارت جاهزة. "أترى هذا التنور؟ فإذا رأيت الماء يفور في هذا التنور، فاعلم أن تلك هي العلامة."

وفي يوم من الأيام ظهرت العلامة، فأدرك أن العذاب سيبدأ. فأسرع إلى الذين آمنوا. فأخذ الناس ينظرون إليهم بدهشة: "أيركبون سفينة في وسط الصحراء؟! لقد جُنّوا!" ثم أوحى الله (سُبْحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ) إلى الحيوانات أن يركب السفينة من كل نوع ذكر وأنثى.

وعندها بدأ العذاب، وبدأت السماء تمطر. لكنه لم يكن مطراً عادياً. بل كماء يُصبّ من دلو. ولم يكن ذلك كل شيء! فقد بدأ الماء يخرج من العيون. ماء يأتي من السماء ومن الأرض.

وبدأ منسوب الماء يتجاوز بيوتهم. فصعدوا على السطوح. الشيوخ والأمهات والأطفال، كلهم يفرّون ويصرخون. وكانت الأمواج في ارتفاع الجبال.

فكّر نوح (عليه السلام) في ابنه فناداه: "يا بني، اركب معنا ولا تكن مع الكافرين." فأجاب: "سآوي إلى جبل يعصمني من الماء". "وحال بينهما الموج فكان من المغرقين."

فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ

سورة القمر، الآيات 11-12

المصادر الأصيلة

القرآن: سورة القمر 54:9-15 وسورة هود 11:40-43

بعد الطوفان

السفينة تسير في وسط البحر. طغى الماء على كل شيء، وصارت الصحراء بحراً. بحر هائل غطى حتى قمم الجبال. قبل لحظات كانت صحراء قاحلة، والآن الماء يجري في كل مكان.

كم بقيت سفينة نوح (عليه السلام) على الماء؟ أياماً، أشهراً؟ الله أعلم. غطى الماء الأرض كلها. ولم يبق على الأرض حياً إلا نوح (عليه السلام) والذين آمنوا معه. وبدأ نوح (عليه السلام) يدعو الله (سُبْحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ) في شأن ابنه، فأجابه الله (سُبْحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ): "يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح."

كيف يعرف نوح (عليه السلام) أن الطوفان قد انتهى؟ أرسل حمامة. فلما عادت وعلى قدميها آثار زيتون، أدرك نوح (عليه السلام) أن منسوب الماء بدأ ينخفض.

"وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي. وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي." استقرت السفينة على جبل الجودي. ونزل نوح (عليه السلام) والمؤمنون من السفينة سالمين على أرض لم يعد فيها كافر.

توقفت الولادات عند الناس جميعاً. ولم يُرزق بذرية إلا نوح (عليه السلام) وأبناؤه. ومرة أخرى (بعد آدم (عليه السلام))، ستنحدر البشرية من رجل واحد.

وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ

سورة هود، الآية 44

المصادر الأصيلة

القرآن: سورة هود 11:44-48

الإرث والعبر

بقي نوح (عليه السلام) بعد الطوفان زمناً يذكّر المؤمنين بالإيمان. كان يعلّمهم الدين ويبلّغ رسالة الله (سُبْحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ). سنوات في تربية المؤمنين. لقد كانت حياة طويلة: 950 سنة من الدعوة إلى الله.

لم يبق على الأرض إلا المؤمنون. لكن لكل شيء نهاية. اقتربت نهاية نوح (عليه السلام). دنا أجله. إنها اللحظات الأخيرة. مرض نوح (عليه السلام) على فراشه. وكان بجانبه ابنه، فقال له نوح (عليه السلام):

- يا بني! سأوصيك بوصية. - أوصني يا أبي! - اسمع يا بني! لو وُضعت 7 سماوات وأرضين في إحدى كفتي ميزان، ووُضعت كلمة "لا إله إلا الله" في الكفة الأخرى، لمالت الكفة التي فيها هذه الكلمة.

"فاعلم أنه لا إله إلا الله." هذه هي رسالة الأنبياء. يبدأون الرسالة بها، وينهونها بها.

وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ

سورة الأنعام، الآية 83

المصادر الأصيلة

صحيح البخاري: كتاب الأنبياء، صحيح مسلم، تفسير ابن كثير

هذه القصة مبنية على آيات القرآن والأحاديث الصحيحة. عرض المصدر