← عودة

قصة يوسف

يوسف

أحسن القصص

أحسن القصص

يوسف (عليه السلام)، ابن يعقوب (عليه السلام)، من ذرية مباركة من الأنبياء. وقد وصف الله (عز وجل) قصته بأنها "أحسن القصص". وهذه هي القصة كاملة: من الرؤيا النبوية، مروراً بمحنة البئر ومحنة السجن، إلى اللقاء الأخير بأسرته.

شاهد القصة على YouTube

أَحْسَنَ الْقَصَصِ ورؤيا يوسف

سمّى الله (عز وجل) قصة يوسف (عليه السلام) "أحسن القصص".

نتذكر أننا حين تحدثنا عن قصة يعقوب (عليه السلام)، قلنا إن الله (عز وجل) وهب له 12 ولداً من أبنائه. ومن بين هؤلاء الأولاد غلام جميل اسمه يوسف؛ وكان له أخ أصغر منه اسمه بنيامين.

يوسف (عليه السلام) هو ابن يعقوب (عليه السلام) الذي هو ابن إسحاق (عليه السلام) الذي هو ابن إبراهيم (عليه السلام). إنه الكريم ابن الكريم ابن الكريم، يا لها من ذرية!

كان ليوسف (عليه السلام) نصف جمال البشر، وأحبه أبوه حباً لا حدّ له. وكان يعقوب (عليه السلام) شديد التعلق بابنه لأنه كان أفضل أبنائه خُلقاً وخَلقاً.

وفي يوم من الأيام، رأى يوسف (عليه السلام)، وهو لا يزال طفلاً، رؤيا في منامه، فجاء إلى أبيه ليقصّها عليه: - يا أبتِ! - نعم يا بني! - رأيت شيئاً في منامي، قال يوسف (عليه السلام). - وماذا رأيت؟ سأل يعقوب (عليه السلام).

إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ

سورة يوسف، الآية 4

المصادر الأصيلة

القرآن: سورة يوسف 12:4-5 - نص مبني على دروس الشيخ نبيل العوضي

غيرة الإخوة والمؤامرة

لاحظ يعقوب (عليه السلام) علامات على ابنه، وأحسّ بحسد إخوته. فقال له ألا يقصّ رؤياه على إخوته لأنهم سيكيدون له كيداً.

اصطفى الله (عز وجل) هذا الطفل واجتباه، يوسف (عليه السلام). سيكبر الطفل شيئاً فشيئاً وإخوته يحسدونه، العشرة إلا بنيامين. حسدوا يوسف (عليه السلام) وبنيامين، وها هم العشرة يتآمرون على يوسف (عليه السلام).

أخذوا يتآمرون على يوسف (عليه السلام). قالوا: "ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة."

ومنذ متى كان الحب مرتبطاً بالقوة؟! إن حب الأب لأبنائه يأتي بسبب الفضائل والبرّ، لكنهم للأسف لم تكن لهم فضائل مع والديهم، ومع ذلك يستغربون.

- لماذا يحب أبونا يعقوب يوسف وبنيامين أكثر منا؟

نحن أقوى! ومع ذلك يحب يوسف أكثر منا.

وازداد حسدهم وحقدهم حتى قالوا:

"اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضاً يخلُ لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوماً صالحين".

أي نقتله ونرتكب الذنب، ثم نتوب إلى الله، فنكون بعد ذلك قوماً صالحين. يظنون أن التوبة ستُقبل بعد ذلك. يا لها من جريمة يريدون ارتكابها! يريدون قتل أخيهم، إنه الحسد، إنها الغيرة التي تُعمي القلب وتُعمي العين. كيف يجرؤ إنسان على ذلك!

وتدخّل أحد الإخوة، وكان أعقلهم، فقال:

"لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابت الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين."

إن أردتم التخلص منه، فلا تقتلوه، ألقوه في بئر لتلتقطه قافلة وتأخذه بعيداً عنكم، فتبقون وحدكم مع أبيكم. تكونون في خير مع أبيكم وتتخلصون من يوسف (عليه السلام)، إن كنتم فاعلين.

إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ

سورة يوسف، الآية 8

المصادر الأصيلة

القرآن: سورة يوسف 12:8 - نص مبني على دروس الشيخ نبيل العوضي

مكر الإخوة والسقوط في البئر

اتفق إخوة يوسف (عليه السلام) على هذا الرأي، أن يلقوه في قعر بئر. فما ذنب أخيهم الصغير الذي لم يبلغ الحلم بعد؟ إنه الحسد!

أرادوا أن يضعوا أخاهم الصغير في بئر قد يموت فيها، قد يصيبه مكروه، لكنهم لا يبالون بذلك، فالأهم هو التخلص من هذا الطفل، أخيهم!

اتفقوا على أن يضعوه في البئر، أن يلقوه فيها، ثم ذهبوا إلى أبيهم. وبعد أن تآمروا، بدأوا يحسنون معاملة أخيهم؛ يمسحون على رأسه، ويبتسمون له، وكل ذلك أمام أبيهم. ماذا يجري؟ لقد تغيّر الإخوة فجأة!

قالوا: يا أبانا! نريد أن نخرج مع أخينا، نلهو ونلعب معه! إنه معك طوال الوقت في البيت، دعه يخرج معنا!

"قالوا: يا أبانا ما لك لا تأمنّا على يوسف وإنا له لناصحون"

امتلأت قلوبهم حقداً وعداوة تجاه هذا الطفل حتى أرادوا قتله، لكنهم اتفقوا على إلقائه في البئر.

"أرسله معنا غداً يرتع ويلعب وإنا له لحافظون."

كان الطفل (يوسف (عليه السلام)) يحب أن يخرج مع إخوته الكبار ليلعب ويلهو معهم، لكن يوسف (عليه السلام) لم يكن يعلم ما تآمروا به عليه.

قال يعقوب (عليه السلام): لا أطيق فراقه ساعة، فكيف أدعه يذهب معكم؟

"قال: إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون."

فأجابوا: يا أبانا! نحن رجال أقوياء، فكيف يمكن لذئب أن يقترب منه؟

"قالوا: لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذاً لخاسرون."

كم كان الطفل الصغير يوسف (عليه السلام) مسروراً تلك الليلة! لأن أباه وافق، كان شديد الفرح، لأنه أخيراً سيخرج مع إخوته، أخيراً سيلهو ويلعب معهم، إخوته الذين ظلوا يبغضونه، وها هم الآن يحبونه! الآن يريدون له الخير! الآن يريدونه أن يأتي معهم!

كيف قضى يوسف (عليه السلام) تلك الليلة يفكر في الغد، مسروراً سعيداً ينتظر الصباح. لم يكن يعلم، كان يجهل ما يدبّره له إخوته…

فَلَمَّا ذَهَبُوا۟ بِهِۦ وَأَجْمَعُوٓا۟ أَن يَجْعَلُوهُ فِى غَيَٰبَتِ ٱلْجُبِّ ۚ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَٰذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ

سورة يوسف، الآية 15

خرج يوسف (عليه السلام) مع إخوته، مسروراً سعيداً بأن يلعب ويلهو معهم. إنها رحلة ممتعة له، لأنها المرة الأولى التي يخرج فيها معهم.

وصلوا إلى بئر فحملوا الطفل ليلقوه فيها، وهو يحسب أنهم يلعبون معه. فتشبث بالبئر خوفاً من السقوط، يخاف أن يسقط في قعر البئر؛ وسأل إخوته ماذا يفعلون.

يا فلان! يا فلان! ناداهم وهم يسخرون منه؛ يقولون له: أنت تعرف جيداً مكانتك الطيبة في قلب أبيك! فليُغثك الآن حب أبيك الاستثنائي!

ثم ألقوه في البئر المظلمة، بئر مظلمة مخيفة، والماء تحت قدميه، فتشبث يوسف (عليه السلام) بصخرة، وجلس وأخذ ينادي إخوته وهم يضحكون حول البئر.

يا فلان! يا فلان! سأموت في هذه البئر المظلمة، هذا القبر! ماذا تفعلون؟! لكنهم كانوا يضحكون، ولم يكن يوسف (عليه السلام) يسمع إلا ضحكاتهم.

كانوا يقولون: هنيئاً لك عيشك يا يوسف! اهنأ بما يحدث لك الآن! أتذكر المكانة الطيبة عند أبيك؟ فاهنأ الآن بحالك! ومضوا وهم يضحكون.

جلس يوسف (عليه السلام) في ذلك المكان المظلم، في قعر تلك البئر، والسواد من حوله، لا يرى إلا أعلى البئر حيث يأتي النور، وتحته الماء يجري، وهو جالس على صخرة.

لا يدري أيموت غرقاً في هذا الماء، أم يأتي حيوان فيقتله، أم يموت جوعاً مع الوقت. جلس الطفل وحده يبكي.

بالأمس فقط كان ينام في فراش دافئ عند أبيه يعقوب (عليه السلام)، كان يعيش مكرّماً عنده، والآن هو في بئر سوداء مظلمة.

المصادر الأصيلة

القرآن: سورة يوسف 12:15 - نص مبني على دروس الشيخ نبيل العوضي

كذبة الإخوة والنجاة بالقافلة

في تلك اللحظة، وهو ليس إلا طفلاً صغيراً، يوسف (عليه السلام) يبكي من الخوف والحسرة، يفكر في أبيه وأمه، يفكر في فراشه وبيته؛ ماذا أفعل الآن؟ إنه ليس إلا طفلاً صغيراً.

في تلك اللحظة، ألقى الله (عز وجل) الطمأنينة في قلبه. يا يوسف! لا تخف، لا تخشَ شيئاً! لا تحزن! سيأتي يوم تذكّر فيه إخوتك بما فعلوه بك، وستخبرهم بما صنعوه بك.

تعاقبت الأيام والليالي، وربما كانت الدقيقة عند يوسف (عليه السلام) كسنة. أراد الله (عز وجل) أن يربّي هذا الطفل. يا يوسف، تعلّم! يا يوسف، تأدّب! فإنك ستكون نبياً. ولن تبلغ درجة النبوة الرفيعة إلا إذا مررت بهذه المراحل. هكذا تربية الله (عز وجل) للأنبياء - من أشد الناس بلاءً؟ - إنهم الأنبياء. هو في الظلام، وهو خائف، وهو جائع... ومضت الليالي.

وفجأة! سمع يوسف (عليه السلام) أصوات أناس فوق البئر. فأخذ يصرخ وينادي، إنها أصوات بشر. وبدأ يوسف (عليه السلام) يطمئن لسماع أصوات البشر، صوت قافلة تمرّ بهذا المكان. إنها رحمة الله (عز وجل) تبدأ.

وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا ۚ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ

سورة يوسف، الآية 21

إخوة يوسف (عليه السلام)، بعد أن ارتكبوا فعلتهم، وبعد أن مكروا، كانوا قد نزعوا قميص يوسف (عليه السلام) قبل أن يلقوه في البئر، فذبحوا حيواناً من الماشية ووضعوا دم الحيوان على قميص يوسف (عليه السلام)، وذهبوا إلى أبيهم يعقوب (عليه السلام).

وكان يعقوب (عليه السلام) ينتظر رؤية ابنه بفارغ الصبر؛ فهي المرة الأولى التي يغيب فيها يوسف (عليه السلام). كان حزيناً لفراق ابنه ذلك اليوم؛ كان يخاف على يوسف (عليه السلام) من أبنائه الآخرين.

- أين أخوكم؟ أين يوسف؟

كانوا جميعاً يبكون، جاؤوا إلى أبيهم يبكون، كانوا يتظاهرون بالبكاء. يا فلان! أين يوسف؟ يا فلان! أين يوسف؟ أحسّ أن هناك أمراً؛ فأخرجوا له قميص يوسف (عليه السلام)، وكان القميص ملطخاً بالدم.

- يا فلان؟ ماذا حدث؟ أخبروني!

كانت لهم دموع، لكنها دموع كاذبة.

أي ذئب؟ - ألم أحذّركم من الذئب؟! هذا ما كنت أخافه، وهذا قميصه يا أبانا! كان ملطخاً بالدم.

أحسّ يعقوب (عليه السلام) أن في القصة مكراً، كان يعلم أن أبناءه لم يكونوا ليأخذوا يوسف (عليه السلام) معهم بلا سبب، وكان قلبه يخشى أمراً. قال: "إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب"

استعملوا الحجة نفسها "الذئب". من شدة وقاحتهم، لم يبحثوا عن عذر آخر غير قصة الذئب؛ ادّعوا الأمر نفسه الذي كان يخافه يعقوب (عليه السلام).

قال: "أين قميصه؟" فأعطوه القميص الملطخ بالدم، لكنهم نسوا أن يمزّقوا هذا القميص. قميص طفل أكله الذئب، والقميص لم يُمزَّق! يا له من دم! ويا له من قميص! فأدرك يعقوب (عليه السلام) أن في القصة مكراً.

"قال: بل سوّلت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل!"

كان يعقوب (عليه السلام) يبكي ابنه، فُرّق بينهما، الأب عن الابن. في كل ليلة كان يوسف (عليه السلام) ينام عند أبيه، وكان يعقوب (عليه السلام) يحب ابنه حباً لا حدّ له.

إنها الليلة الأولى التي يقضيها بعيداً عن أبيه، في قعر تلك البئر، لكن الله (عز وجل) قدّر أن تمرّ قافلة ويوسف (عليه السلام) في البئر.

قافلة من الإبل ورعاة وبعض الناس. مرّت هذه القافلة قرب البئر. مرّت حيث كان يوسف (عليه السلام). وبدأ الله (عز وجل) يستجيب لدعوات يعقوب (عليه السلام) أن يحفظ الله (عز وجل) ابنه. أمرّ الله (عز وجل) قافلة قرب البئر.

"وجاءت سيارة."

فأرسلوا واردهم، فأدلى دلوه. فتشبث يوسف (عليه السلام)، الذي كان يخاف أن يموت في ذلك المكان، بذلك الدلو، فأحسّ الراعي الذي أدلى دلوه أن الدلو ثقيل، فجذبه.

ماذا يجري؟ ماذا يحدث؟ ليس هذا ماءً! هذه القافلة التي جاءت تطلب الماء، وإذا بطفل يتشبث بالدلو، ثم رفعوه، وعندها قال الوارد: "يا بشرى!" ونادى أهل القافلة.

"يا بشرى هذا غلام! وأسرّوه بضاعة والله عليم بما يعملون."

استعملوا يوسف (عليه السلام) بضاعة. كان يعقوب (عليه السلام) يبكي ابنه في بيته، ويوسف (عليه السلام) يُستعمل سلعة للبيع من قِبل قافلة.

اتجهت هذه القافلة إلى مصر، من فلسطين إلى مصر؛ والطفل يبتعد أكثر فأكثر عن أبيه. يا لها من مسافة تفصل بينهما. كيف سيقدر يوسف (عليه السلام) على النوم بعيداً عن أبيه؟ وكيف سيقدر يعقوب (عليه السلام) على النوم بعيداً عن ابنه؟

فُصل الأب عن ابنه. يوسف (عليه السلام)، الطفل الصغير، بعيد عن أبيه، وسيُباع في أسواق مصر. سيُباع يوسف (عليه السلام) كسائر العبيد. يا لها من محن عرفها هذا الطفل!

من اشتراه؟ عزيز مصر هو الذي اشتراه؛ ويبدأ الفرج. اشترى عزيز مصر يوسف (عليه السلام) بدراهم معدودة. وكان أهل القافلة يعدّونه غير مرغوب فيه.

أخذه عزيز مصر إلى قصره وقال لامرأته: "أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً."

عاش يوسف (عليه السلام) في قصر العزيز؛ كان يوسف (عليه السلام) يُعدّ خادماً وابناً في ذلك القصر، وصبر أبوه يعقوب (عليه السلام) ولجأ إلى الله (عز وجل).

وَجَاءُو أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ ۖ قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ ۖ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ

سورة يوسف، الآيات 16-17

المصادر الأصيلة

القرآن: سورة يوسف 12:16-17، 21 - نص مبني على دروس الشيخ نبيل العوضي

الإغراء وامتحان العفة

بقي يوسف (عليه السلام) يعمل في القصر خادماً سنوات عدة، كان كالابن وكالخادم في الوقت نفسه. سنوات عدة، حتى اشتدّ عوده وصار رجلاً.

آتى الله (عز وجل) يوسف (عليه السلام) نصف جمال البشرية، فهو جميل حسن الأدب. ولما كبر عقلاً وجسداً، بدأت امرأة العزيز تشتهي يوسف (عليه السلام) الذي كان بالغ الجمال، فأخذت تتبعه من مكان إلى مكان، ومن غرفة إلى غرفة، تنظر إليه، وتعلّق قلبها بيوسف (عليه السلام).

لقد جعلها تفقد عقلها حباً، حتى جاء يوم غلّقت فيه الأبواب وأخرجت كل من في القصر، فلم يبقَ إلا يوسف (عليه السلام) معها. وما إن يخلو رجل وامرأة حتى يكون الشيطان ثالثهما.

هو جميل، غريب، أعزب لم يتزوج بعد. وتزيّنت امرأة العزيز (وزير الملك) ذلك اليوم وحاولت أن تراوده عن نفسه.

وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ

سورة يوسف، الآية 23

يوسف (عليه السلام) وهو شاب جميل قوي؛ وهذه المرأة التي تزيّنت وتعطّرت، تقول له: "هيت لك، افعل بي ما تشاء يا يوسف!" فمن يمنع يوسف (عليه السلام) من ارتكاب هذه الفاحشة؟

قالت: "هيت لك، (إني مستعدة لك!)" فقال يوسف (عليه السلام) بجرأة: معاذ الله (عز وجل)! ألا أرتكب مثل هذا الذنب.

يا لها من محنة عرفها يوسف (عليه السلام)! فما أشدّ من هذه المحنة التي قد يعرفها شاب غريب أعزب، امرأة تدعوه إلى ارتكاب فاحشة، لكنه أجاب بجرأة:

"معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون."

وتجرأت امرأة العزيز فاقتربت من يوسف (عليه السلام) لتعتدي عليه، لكنه فرّ منها، لم ينتظر، بحث عن باب ليخرج.

"ولقد همّت به وهمّ بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين."

ركض يوسف (عليه السلام) يبحث عن باب مفتوح، فحاولت أن تمسكه من قميصه، لكنها مزّقته، وأسرع يوسف (عليه السلام) إلى باب ليفتحه، ولما فتحه وجد الزوج يهمّ بالدخول.

"واستبقا الباب وقدّت قميصه من دبر وألفيا سيدها لدى الباب قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً إلا أن يُسجن أو عذاب أليم؟"

هي التي حاولت أن تراوده، وها هي تتهمه. يا لها من محنة يعرفها يوسف (عليه السلام)!

المصادر الأصيلة

القرآن: سورة يوسف 12:23-28 - نص مبني على دروس الشيخ نبيل العوضي

ظهور البراءة وانكشاف الحقيقة

يا للمصيبة التي أصابت يوسف (عليه السلام)، فهو في قصر العزيز. دخل هذا الرجل ففاجأ امرأته مع يوسف (عليه السلام)، والكارثة أن يوسف (عليه السلام) قد نُزع عنه قميصه. وفوق ذلك، في غرفة تلك المرأة.

وكانت هذه المرأة تبكي وتصرخ وتقول لزوجها: - اسجنه أو عذّبه عذاباً أليماً، فإنه أراد أن يعتدي عليّ.

فماذا سيقول يوسف (عليه السلام)؟ نظر إليهما يوسف (عليه السلام) وقال: "هي راودتني عن نفسي"، وامرأة العزيز تبكي، وبالطبع سيصدّق الزوج امرأته لا يوسف (عليه السلام).

لم يكن العزيز يدري من يصدّق، أيصدّق يوسف (عليه السلام) الصدّيق الذي لم يكذب قط؟ أم يصدّق امرأته التي تبكي أمامه؟ ولا سيما أن يوسف (عليه السلام) قد نُزع عنه قميصه، وعندها تدخّل أحد أقارب أهل المرأة.

قال إنه يستطيع أن يحلّ هذه المشكلة. - انظروا إلى القميص الممزّق، إن كان ممزّقاً من قُبُل فيوسف (عليه السلام) كاذب، وإن كان القميص ممزّقاً من دُبُر فامرأتك هي الكاذبة.

أُحضر القميص إلى الرجل، ففحصه فوجد أنه مُزّق من دُبُر، ولما رأى ذلك نظر إلى قريبته وهي امرأة العزيز وقال:

إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ ۖ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ

سورة يوسف، الآية 28

وعندها فهم الزوج أن امرأته هي المخطئة، وأنها هي التي أرادت السوء بيوسف (عليه السلام)، لكنها كذبت وفضحها الله (عز وجل). فهم العزيز، لكنه لم يشأ أن يُهان أمام الناس، فنظر إلى يوسف (عليه السلام)؛ يوسف (عليه السلام) المتَّهم ظلماً، الذي حاول أن يفرّ من المعصية، نظر العزيز إلى يوسف (عليه السلام) وقال له:

"يوسف أعرض عن هذا!"

لم يفعل يوسف (عليه السلام) شيئاً، ومع ذلك قال له العزيز: "يوسف أعرض عن هذا! واستغفري (أيتها المرأة) لذنبك إنك كنت من الخاطئين".

المصادر الأصيلة

القرآن: سورة يوسف 12:28-29 - نص مبني على دروس الشيخ نبيل العوضي

اختيار السجن طلباً للعفاف

علم يوسف (عليه السلام) أن نسوة أخذن يمكرن به، فصار مخيّراً بين السجن وبين ارتكاب ما يُغضب الله (عز وجل) عليه. وفي تلك اللحظات، رفع يوسف (عليه السلام) يديه إلى السماء وقال:

"قال: رب السجن أحب إليّ"

إنه يفضّل السجن على ارتكاب المعصية.

قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ۖ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ

سورة يوسف، الآية 33

شاع بين الناس أن يوسف (عليه السلام) أراد أن يعتدي على امرأة العزيز. يا له من ظلم ويا له من كذب! ولما انتشر الخبر، تقرر أن يُسجن يوسف (عليه السلام)، وبالفعل سُجن يوسف (عليه السلام) ظلماً وبغير حق.

وُضع يوسف (عليه السلام) في سجن مروّع مظلم. وكان معه بعض المساجين، فأخذ يواسيهم ويذكّرهم بالله (عز وجل). يوسف (عليه السلام) في السجن لأنه حفظ عفته، لأنه أطاع ربه، لكنهم أشاعوا بين الناس أنه هو الفاعل، يا له من ظلم أصاب يوسف (عليه السلام).

وفي السجن، كان هناك فتيان يراقبان يوسف (عليه السلام)، وكانا كثيراً ما يريان يوسف (عليه السلام) يصلي أو يذكر الله (عز وجل). يا له من رجل تقيّ! رأيا أنه رجل محسن، وفي يوم من الأيام جاء شخص يكلّم يوسف (عليه السلام):

- يا يوسف! رأينا رؤيين، أتستطيع أن تفسّرهما؟

وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ ۖ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا ۖ وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ ۖ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ ۖ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ

سورة يوسف، الآية 36

المصادر الأصيلة

القرآن: سورة يوسف 12:33-36 - نص مبني على دروس الشيخ نبيل العوضي

تفسير الأحلام والدعوة إلى الله

نرى في وجهك أنك محسن، أنت رجل طاهر القلب، لا تفعل شيئاً إلا ذكر الله (عز وجل)، فسّر لنا هذين الحلمين!

وقبل أن يفسّر لهما رؤييهما، أخذ يوسف (عليه السلام) يذكّرهما بالله (عز وجل). قال: "سأنبئكما بفضل الله بالطعام الذي تُرزقانه قبل أن يأتيكما. إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة كافرون؛ وآبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب. أنبياء، وأنا أيضاً نبي مثلهم.

يا صاحبي السجن! انظروا كيف يدعو يوسف (عليه السلام) الناس إلى الله (عز وجل) وهو في السجن. يا له من رجل ويا له من صبر! بقي في السجن ظلماً سنوات، لكنه كان يدعو إلى الله (عز وجل).

يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ

سورة يوسف، الآية 39

الناس يعبدون أصناماً وتماثيل ونجوماً وأصناماً في الأرض. أذلك خير من عبادة الرب العليّ!

وبعد أن ذكّرهما بالله (عز وجل) وعلّمهما التوحيد والإيمان بالله (عز وجل)، سيفسّر لهما الآن رؤييهما.

"أما أحدكما فيسقي ربه خمراً، وسيخرج من السجن. قال إن أحدهما سيخرج من السجن ويعود إلى العمل عند سيده ويسقيه الخمر من جديد، وأما الثاني فيُقتل ويُصلب ثم تأتي الطير فتأكل من رأسه، وهذا تأويل ما استفتيتما فيه.

أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا ۖ وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ ۖ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ

سورة يوسف، الآية 41

ثم ذهب يوسف (عليه السلام) إلى الذي ظنّ أنه سينجو، ولم يجزم، لأن الله (عز وجل) وحده أعلم، فذلك من الغيب. وقال للذي ظنّ أنه ناجٍ منهما: "يا فلان! إذا خرجت من السجن، فاذكرني عند سيدك، لعله يفعل شيئاً في أمري فأخرج من السجن."

لم يكتفِ يوسف (عليه السلام) بحاله، بل أراد أن يبلّغ رسالة الله (عز وجل). "وقال للذي ظنّ أنه ناجٍ منهما: اذكرني عند ربك."

لكن الرجل لما خرج من السجن نسي يوسف (عليه السلام)، فبقي يوسف (عليه السلام) في السجن سنوات؛ ويقال إنه بقي سبع سنين أو أكثر. يوسف (عليه السلام) في السجن بسبب أمر لم يفعله…

المصادر الأصيلة

القرآن: سورة يوسف 12:39-42 - نص مبني على دروس الشيخ نبيل العوضي

رؤيا الملك والإفراج

في يوم من الأيام، رأى ملك مصر في ذلك الزمن رؤيا أقلقته، فجمع وزراءه وحاشيته وقصّ عليهم رؤياه، وهي رؤيا مقلقة مخيفة. جمع حاشيته في قصره وقال لهم:

وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ ۖ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ

سورة يوسف، الآية 43

البقرات العجاف تأكل البقرات السمان، رؤيا أفزعته. وأخذ من حول الملك يتساءلون عن الرؤيا، لكن لم يستطع أحد تأويلها.

لم يستطع أحد تأويلها، وكان هناك من يسقي الملك الخمر. ذلك السجين السابق الذي فسّر له يوسف (عليه السلام) الرؤيا. كان ذلك السجين السابق يسقي الملك الخمر، ولم يعرف من حوله تأويل هذه الرؤيا.

قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ ۖ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ

سورة يوسف، الآية 44

فإن كنتم لا تعلمون، فلماذا تزعمون أنها أضغاث أحلام؟ الصمت خير حين لا يعلم المرء، وعندها تكلّم ساقي الخمر: "أعرف رجلاً يستطيع أن يفسّر هذه الرؤيا".

سأل الملك: "من هذا الرجل؟". قال الساقي: "هو رجل في السجن، اسمه يوسف، رجل تقيّ أمين، وقد فسّر لنا رؤى تفسيراً تاماً."

قال الملك للساقي: "اذهب إليه واسأله تأويل هذه الرؤيا!"

ذهب الساقي إلى يوسف (عليه السلام) في السجن بعد سنين وسنين، وأخيراً تذكّر يوسف (عليه السلام). دخل السجن، ونودي على يوسف (عليه السلام).

"يوسف أيها الصدّيق! أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات. قال [يوسف]: تزرعون سبع سنين دأباً. ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلاً مما تحصنون. ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يُغاث الناس وفيه يعصرون."

ولما سمع الملك هذا التأويل، أدرك أن هذا الرجل [يوسف (عليه السلام)] عليم، فهو يتحدث عن اقتصاد البلد، وهو موضوع مهم.

المصادر الأصيلة

القرآن: سورة يوسف 12:43-47 - نص مبني على دروس الشيخ نبيل العوضي

إعلان البراءة والتعيين في الوزارة

قال الملك: "اذهبوا إلى هذا السجين وأخرجوه من السجن! أريد أن أراه في القصر حالاً."

ولما وصل رسول الملك إلى يوسف (عليه السلام)، لم يشأ يوسف (عليه السلام) الصدّيق أن يخرج من السجن هكذا: "كما دخلت السجن ظلماً، فلن أخرج إلا حين تُعلن براءتي. اتهمتموني باطلاً، ولن أخرج إلا إذا أُعلنت براءتي. اذهب إلى الملك وقل له إني لن أخرج من هذا السجن إلا إذا سألتم النسوة اللاتي قطّعن أيديهنّ، لماذا فعلن ذلك! لماذا اتهمنني باطلاً وأنا بريء."

فاستدعى ملك مصر جميع النسوة اللاتي اتهمن يوسف (عليه السلام). وأُحضرت النسوة إلى القصر، وكان من بينهنّ امرأة العزيز.

سأل الملك: "فما خطبكنّ إذ راودتنّ يوسف عن نفسه؟ زعمتنّ أن يوسف هو الذي اعتدى عليكنّ، أكان ذلك صحيحاً؟"

فأجابت النسوة، وتكلمن جميعاً.

قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ

سورة يوسف، الآية 51

وعندها تكلمت امرأة العزيز، حين سألها الملك: "يا فلانة! الاتهام جاء منكِ، اتهمتِ يوسف (عليه السلام) بالاعتداء، أكان ذلك صحيحاً؟ أراد أن يعتدي عليكِ؟"

تكلمت امرأة العزيز، بعد سنين طويلة من الصمت.

قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ

سورة يوسف، الآية 51

نعم كان صادقاً، لم يكذب، لم يحاول أن يعتدي عليّ! أنا كنت المخطئة. ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله (عز وجل) لا يهدي كيد الخائنين.

وعندها أخذ الملك يوسف (عليه السلام) إلى قصره وقال له: "إنك اليوم لدينا مكين أمين."

أُعلنت براءة يوسف (عليه السلام)، وانتشر الخبر بين الناس. كان مسجوناً ظلماً، لكن الفرج جاء من عند الله (عز وجل). يوسف (عليه السلام) بريء، وقد بدأ الفرج.

قال: "إنك اليوم لدينا مكين أمين، فاختر ما شئت يا يوسف."

وقال [يوسف]: "اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم."

دعني أكون وزيراً للاقتصاد، أحفظ أموال البلد، إني حفيظ عليم. سيعلّم الناس كيف يحكمون باتباع أوامر الله (عز وجل).

المصادر الأصيلة

القرآن: سورة يوسف 12:50-55 - نص مبني على دروس الشيخ نبيل العوضي

الزيارة الأولى للإخوة في مصر

صار يوسف (عليه السلام) عزيزاً في مصر، حاكماً. وصار مسؤولاً عن اقتصاد البلد وإدارة الأموال والطعام والمحاصيل.

في الـ7 سنوات الأولى، كان يوسف (عليه السلام) مسؤولاً عن أموال الناس وثرواتهم، ثم تعاقبت الـ7 سنوات من الجفاف. وكانت "الـ7 سنوات" الثانية سنوات جفاف ومجاعة، وانتشرت المجاعة في مصر وما حولها، ووصلت المجاعة حتى فلسطين. وهناك يسكن يعقوب (عليه السلام) وأبناؤه.

سمع أهل فلسطين أن الطعام لا يزال متوفراً في مصر، وأن هناك مسؤولاً يوزّع المواد الغذائية مقابل بضائع أخرى. فقرر يعقوب (عليه السلام) أن يرسل أبناءه العشرة إلى مصر.

لم يكن يعقوب (عليه السلام) يعرف من هو المسؤول عن القطاع الاقتصادي في مصر. وكان يوسف (عليه السلام) يستقبل الناس، ويحضر مبادلة الطعام بالبضاعة. فأُخبر أن جماعة قدمت من فلسطين.

دخل الإخوة العشرة على يوسف (عليه السلام)، بعد عشرات السنين من الفراق، وهم يحسبون أن يوسف (عليه السلام) قد مات وذهب إلى غير رجعة.

سمع يوسف (عليه السلام) أن جماعة من فلسطين قد وصلت. إنها بلد أبيه. ولما دخل العشرة، عرفهم يوسف (عليه السلام) وهم له منكرون.

أتذكر يا يوسف (عليه السلام)، حين كنت في قعر البئر، حين أخبرك الله (عز وجل) أنك ستلقاهم يوماً وتنبئهم بما صنعوا وهم لا يعرفونك، ها هو ذلك اليوم يا يوسف (عليه السلام)!

وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ

سورة يوسف، الآية 58

عرفهم يوسف (عليه السلام) وهم له منكرون. فسألهم من بقي حياً في أسرتهم: "من لا يزال حياً؟". فأجابوا: "بقي لنا أبونا وأخ اسمه بنيامين".

وبنيامين هو أخو يوسف (عليه السلام) الشقيق. قال يوسف (عليه السلام): "لماذا لم تأتوا بأخيكم [بنيامين]؟". فأجابوا: "أبونا لا يدعنا نأخذه".

قال يوسف (عليه السلام): "إن عدتم مرة أخرى، فلن أعطيكم شيئاً إلا أن تأتوا بأخيكم". "لن أعطيكم شيئاً إن لم تأتوا بأخيكم الصغير [بنيامين]".

وبعد أن بادل يوسف (عليه السلام) الطعام بالبضاعة وأخبرهم بشرطه، طلب من خدمه أن يردّوا البضاعة مع الطعام دون أن ينتبه الإخوة. فأخذ الإخوة الطعام مع البضاعة، وعادوا إلى أبيهم يعقوب (عليه السلام).

المصادر الأصيلة

القرآن: سورة يوسف 12:58-62 - نص مبني على دروس الشيخ نبيل العوضي

العودة إلى الأب وطلب بنيامين

لما دخلوا على أبيهم يعقوب (عليه السلام)، قالوا: "أعطانا الرجل الطعام هذه المرة، لكننا لن نستطيع العودة إلا بشرط".

"وما الشرط؟" سأل يعقوب (عليه السلام).

قالوا: "إلا أن نأخذ أخانا بنيامين معنا".

فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَىٰ أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ

سورة يوسف، الآية 63

الكلام الذي سمعه يعقوب (عليه السلام) للتوّ، قد سمعه من قبل منذ عشرات السنين. سمعه يعقوب (عليه السلام) حين أراد أبناؤه أن يأخذوا يوسف (عليه السلام) معهم. أعادوا الكلام نفسه، قالوا: "وإنا له لحافظون".

تذكّر يعقوب (عليه السلام)، فهو لم ينسَ يوسف (عليه السلام).

قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَىٰ أَخِيهِ مِن قَبْلُ ۖ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ

سورة يوسف، الآية 64

رأوا أن أباهم لا يريد، فذهبوا يفتحون متاعهم. ولما أخرجوا الطعام، وجدوا بضاعتهم مخبأة مع الطعام، فعادوا يكلمون أباهم.

"يا أبانا! إنه رجل كريم، إنه رجل محسن، أعطانا الطعام وردّ إلينا بضاعتنا".

"إنه طعام ميسور يا أبانا، دعنا نذهب مرة أخرى فيعطينا الطعام من جديد ويكافئنا، دعنا نذهب إليه ثانية، إنه رجل كريم يا أبانا".

وألحّوا وألحّوا على أبيهم؛ ويعقوب (عليه السلام) لا يريد، لأنه يتذكر حين أخذوا منه يوسف (عليه السلام). كان يعقوب (عليه السلام) يبكي ابنه منذ سنين طويلة. والآن تريدون أن تأخذوا ابني الثاني! لا، لن أرسله معكم.

لكن لما ألحّ الأبناء كثيراً، اضطر يعقوب (عليه السلام) إلى القبول، لكنه اشترط شرطاً.

المصادر الأصيلة

القرآن: سورة يوسف 12:63-65 - نص مبني على دروس الشيخ نبيل العوضي

الرحلة الثانية مع بنيامين

"لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقاً من الله لتأتنّني به إلا أن يُحاط بكم"

أريد موثقاً باسم الله (عز وجل) أن تردّوا إليّ ابني، إلا أن يُحاط بكم فتموتوا. فأعطوا الموثق ووعدوا أن يردّوا بنيامين أو يموتوا جميعاً.

انطلق الأبناء مع أخيهم بنيامين. وقبل ذلك طلب منهم يعقوب (عليه السلام) طلباً: "إذا دخلتم مصر، فلا تدخلوا من باب واحد، بل ادخلوا من أبواب متفرقة، لئلا يكيد لكم عدو أو يصيبكم سوء".

فأخذ الإخوة أخاهم بنيامين وانطلقوا، وحملوا معهم متاعهم والبضاعة، إلى مصر. ذهبوا إلى يوسف (عليه السلام) مرة أخرى، لكنهم لم يكونوا يعلمون أنه أخوهم يوسف (عليه السلام).

وصل الإخوة مع بنيامين إلى مصر، إلى قصر يوسف (عليه السلام) دون أن يعلموا أنه يوسف (عليه السلام). ولما دخلوا عليه، عرف يوسف (عليه السلام) أخاه بنيامين.

فقبّله وضمّه إلى صدره، وقال له، دون أن يسمع الإخوة الآخرون؛ قال يوسف (عليه السلام): "أتعلم من أنا يا أخي!"

سأل بنيامين: "من أنت؟"

"أنا يوسف."

"يوسف؟ أخي؟"

"نعم" قال يوسف (عليه السلام).

"ماذا حدث؟" سأل بنيامين.

قال يوسف (عليه السلام): "لقد نجّاني الله (عز وجل) وأغدق عليّ نعمه".

تخيلوا كيف كان يوسف (عليه السلام) يضمّ أخاه ويقبّله، وكيف كان يحدّثه عن سنيّ غيابه الطويلة. تخيلوا كيف كان بنيامين يشكو إخوته إلى يوسف (عليه السلام). فقال له يوسف (عليه السلام): "فلا تبتئس بما كانوا يعملون".

المصادر الأصيلة

القرآن: سورة يوسف 12:66-69 - نص مبني على دروس الشيخ نبيل العوضي

مكيدة الكأس

أراد يوسف (عليه السلام) أن يبقي أخاه بنيامين معه، لأن بنيامين كان كل ما بقي له من أمه، وكان يوسف (عليه السلام) يحبه حباً شديداً. فدبّر يوسف (عليه السلام) خطة ليبقي أخاه.

قال لخدمه: "اجعلوا السقاية (للملك) في رحل بنيامين".

والإخوة، بعد أن أنهوا تجارتهم مع يوسف (عليه السلام)، أخذوا متاعهم وانطلقوا. خرجوا من مصر، وما إن خرجوا حتى ناداهم مؤذّن من القصر:

فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ

سورة يوسف، الآية 70

"أيتها العير إنكم لسارقون."

فالتفت الإخوة وقالوا: "ماذا سرقنا؟"

قال المؤذّن: "سرقتم صواع الملك".

قال الإخوة: "تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين."

قال الحرس: "فما جزاؤه إن كنتم كاذبين؟"

فأجاب الإخوة وفق شريعتهم: "جزاؤه من وُجد في رحله فهو جزاؤه. كذلك نجزي الظالمين."

فبدأ الحرس يفتشون الأمتعة، مبتدئين بأمتعة الإخوة الكبار، ثم رحل بنيامين، فوجدوا السقاية في رحل بنيامين.

فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاءِ أَخِيهِ ۚ كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ۖ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَن نَّشَاءُ ۗ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ

سورة يوسف، الآية 76

صُدم الإخوة واندهشوا. كيف يسرق بنيامين؟ قالوا: "إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل".

كانوا يقصدون يوسف (عليه السلام)، زاعمين أنه سرق من قبل، وكان ذلك باطلاً. وكان يوسف (عليه السلام) يسمع ما يقولونه عنه وعن أخيه، لكنه لم يقل شيئاً. أسرّها في نفسه ولم يُبدها لهم.

توسّل الإخوة إلى يوسف (عليه السلام): "يا أيها العزيز! إن له أباً شيخاً كبيراً، فخذ أحدنا مكانه. إنا نراك من المحسنين."

لكن يوسف (عليه السلام) رفض وقال: "معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده! إنا إذاً لظالمون."

وهكذا بقي بنيامين مع يوسف (عليه السلام) وفق تدبير الله (عز وجل).

المصادر الأصيلة

القرآن: سورة يوسف 12:70-79 - نص مبني على دروس الشيخ نبيل العوضي

حزن يعقوب والعمى

عاد الإخوة إلى أبيهم يعقوب (عليه السلام) بلا بنيامين. وكان يعقوب (عليه السلام) قد فقد يوسف (عليه السلام) قبل سنين، وها هو الآن يفقد بنيامين أيضاً.

قالوا: "يا أبانا! إن ابنك سرق. وما شهدنا إلا بما علمنا. وما كنا للغيب حافظين."

كان يعقوب (عليه السلام) يعلم أن أبناءه يكذبون مرة أخرى، كما كذبوا في شأن يوسف (عليه السلام). فقال لهم:

قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ

سورة يوسف، الآية 83

كان يعقوب (عليه السلام) يرجو أن يردّ إليه الله (عز وجل) ابنيه: يوسف وبنيامين.

كان حزن يعقوب (عليه السلام) شديداً حتى تولّى عنهم وقال: "يا أسفى على يوسف!" وابيضّت عيناه من الحزن. وكان كظيماً.

فقد يعقوب (عليه السلام) بصره من كثرة البكاء على ابنيه. لم يكن يكفّ عن البكاء ودعاء الله (عز وجل) أن يردّ إليه أبناءه.

قال له أبناؤه: "تالله! تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرَضاً أو تكون من الهالكين."

وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ

سورة يوسف، الآية 84

فأجابهم يعقوب (عليه السلام): "إنما أشكو بثّي وحزني إلى الله. وأعلم من الله ما لا تعلمون."

كان ليعقوب (عليه السلام) يقين بأن الله (عز وجل) سيردّ إليه أبناءه. ولم يكن ييأس قط من رحمة الله (عز وجل).

قال لأبنائه: "يا بنيّ اذهبوا فتحسّسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله. إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون."

المصادر الأصيلة

القرآن: سورة يوسف 12:83-87 - نص مبني على دروس الشيخ نبيل العوضي

كشف الحقيقة

عاد الإخوة إلى مصر مرة ثالثة بأمر أبيهم يعقوب (عليه السلام). وهذه المرة جاؤوا يتوسلون إلى يوسف (عليه السلام) في تواضع.

قالوا: "يا أيها العزيز، مسّنا وأهلنا الضرّ؛ وجئنا ببضاعة مزجاة. فأوفِ لنا الكيل وتصدّق علينا. إن الله يجزي المتصدّقين."

رأى يوسف (عليه السلام) تواضعهم وضرّهم. كانت تلك هي اللحظة التي اختارها الله (عز وجل) لكشف الحقيقة، كما وعد يوسف (عليه السلام) حين كان طفلاً في البئر.

قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ

سورة يوسف، الآية 89

ذُهل الإخوة. كيف يعرف هذا الرجل قصة يوسف؟ فنظروا إلى يوسف (عليه السلام) نظرة أكثر تمعّناً.

قالوا في دهشة: "أإنك... أإنك أنت يوسف حقاً؟"

لم يعد يوسف (عليه السلام) قادراً على إخفاء الحقيقة. فانهمرت الدموع من عينيه. بعد كل تلك السنين من الفراق والألم والمحن... جاءت لحظة الكشف.

قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ ۖ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَٰذَا أَخِي ۚ قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا ۖ إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ

سورة يوسف، الآية 90

وقع الإخوة في صدمة تامة. أخوهم الصغير الذي ألقوه في البئر صار حاكم مصر! والذي أرادوا إذلاله صار الآن في أشرف مكانة!

قالوا: "تالله! لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين."

فأجابهم يوسف (عليه السلام)، بنبل النبي: "لا تثريب عليكم اليوم! يغفر الله لكم. وهو أرحم الراحمين!"

يُظهر عفو يوسف (عليه السلام) عظمة خُلقه وشبهه بجدّه إبراهيم (عليه السلام) في النبل والعفو.

المصادر الأصيلة

القرآن: سورة يوسف 12:89-92 - نص مبني على دروس الشيخ نبيل العوضي

لم شمل العائلة

أعطى يوسف (عليه السلام) إخوته قميصه وقال: "اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأتِ بصيراً. وأتوني بأهلكم أجمعين."

كان في قميص يوسف (عليه السلام) بركة خاصة. فهو قميص نبي، وقد جعل الله (عز وجل) فيه الشفاء ليعقوب (عليه السلام).

انطلق الإخوة مسرعين إلى فلسطين، حاملين هذه البشرى العظيمة والقميص المبارك.

ولما فصلت القافلة من مصر، قال يعقوب (عليه السلام)، وهو في فلسطين، لمن حوله:

وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ۖ لَوْلَا أَن تُفَنِّدُونِ

سورة يوسف، الآية 94

قال من حول يعقوب (عليه السلام): "تالله! إنك لفي ضلالك القديم"، ظانّين أنه يهذي بسبب كبر سنه.

لكن يعقوب (عليه السلام) كان يجد ريح ابنه حقاً. كانت معجزة من الله (عز وجل) وعلامة على قرب اللقاء.

ولما وصل الإخوة إلى أبيهم، ألقوا القميص على وجهه، فارتدّ بصيراً في الحال بإذن الله (عز وجل).

فَلَمَّا أَن جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَىٰ وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا ۖ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ

سورة يوسف، الآية 96

كان يعقوب (عليه السلام) واثقاً بالله (عز وجل) دائماً. وقد كوفئ يقينه. قال لأبنائه: "ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون؟"

استغفر الأبناء أباهم: "يا أبانا، استغفر لنا ذنوبنا. إنا كنا خاطئين."

فوعدهم يعقوب (عليه السلام): "سوف أستغفر لكم ربي. إنه هو الغفور الرحيم."

ثم تهيّأت الأسرة كلها للسفر إلى مصر للقاء يوسف (عليه السلام) والاستقرار قربه.

المصادر الأصيلة

القرآن: سورة يوسف 12:94-98 - نص مبني على دروس الشيخ نبيل العوضي

اللقاء الأخير وتحقق الرؤيا

لما وصل يعقوب (عليه السلام) وأسرته كلها إلى مصر، استقبلهم يوسف (عليه السلام) بفرح عظيم. وضمّ أبويه إليه وقال: "ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين!"

ثم جاءت اللحظة الأشدّ تأثيراً. رفع يوسف (عليه السلام) أبويه على العرش، وخرّوا له جميعاً سجّداً تعظيماً وتكريماً، لا عبادة.

في تلك اللحظة، تذكّر يوسف (عليه السلام) رؤيا طفولته. كان ذلك تحقق الرؤيا التي رآها وهو صغير: الكواكب الأحد عشر (إخوته)، والشمس والقمر (أبواه) ساجدين له.

وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَخَرُّوا۟ لَهُۥ سُجَّدًۭا ۖ وَقَالَ يَٰٓأَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُءْيَٰىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّى حَقًّۭا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِىٓ إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ ٱلسِّجْنِ وَجَآءَ بِكُم مِّنَ ٱلْبَدْوِ مِنۢ بَعْدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّيْطَٰنُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِىٓ ۚ إِنَّ رَبِّى لَطِيفٌۭ لِّمَا يَشَآءُ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ

سورة يوسف، الآية 100

تُشير هذه الآية إلى تحقق الرؤيا التي رآها يوسف (عليه السلام) في صغره، حيث رأى الكواكب الأحد عشر ترمز إلى إخوته، بينما ترمز الشمس والقمر إلى أمه وأبيه، وكلهم ساجدون له.

توجّه يوسف (عليه السلام) إلى الله (عز وجل) بالشكر وقال دعاءً عظيماً:

رَبِّ قَدْ ءَاتَيْتَنِى مِنَ ٱلْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ أَنتَ وَلِىِّۦ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِى مُسْلِمًۭا وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّٰلِحِينَ

سورة يوسف، الآية 101

وهكذا انتهت قصة يوسف (عليه السلام) العظيمة. قصة بدأت برؤيا طفل وانتهت بلمّ شمل الأسرة كلها في أمن وكرامة.

لقد حوّل الله (عز وجل) كل محن يوسف (عليه السلام) إلى نعم: فحسد إخوته ساقه إلى مصر، والسجن أوصله إلى الحكم، وحكمته جمعت أخيراً أسرته كلها.

تعلّمنا هذه القصة أن الصبر والتقوى والثقة بالله (عز وجل) تحوّل المحن إلى انتصارات. لقد بقي يوسف (عليه السلام) وفياً لله (عز وجل) في كل الأحوال، فكافأه الله (عز وجل) فوق كل تصور.

نسأل الله (عز وجل) أن يرزقنا صبر يوسف (عليه السلام)، ويقين يعقوب (عليه السلام)، وحكمة اتباع مثالهما في محننا.

المصادر الأصيلة

القرآن: سورة يوسف 12:100-101 - نص متحقَّق منه وفق المصادر القرآنية الموثوقة

هذه القصة مبنية على آيات القرآن والأحاديث الصحيحة. وقد شاهدت الفيديوهات الـ3 للشيخ نبيل العوضي (جزاه الله خيراً) لهذه القصة. عرض المصدر