← عودة

قصة موسى

موسى

كليم الله

موسى كليم الله عليه السلام

موسى (عليه السلام)، الملقّب بـ"كليم الله"، هو أكثر الأنبياء ذكراً في القرآن (136 مرة). وتُجسّد قصته أتمّ تجسيد حفظ الله للأنبياء وانتصار الحق النهائي على الباطل.

شاهد القصة على YouTube

بنو إسرائيل في مصر والظلم

في قصة يوسف (عليه السلام)، بعد أن أنجاه الله (عز وجل) وبعد أن تصالح مع إخوته، أخذ يوسف إخوته الأحد عشر وأباه يعقوب (عليه السلام) من فلسطين إلى مصر، فعاشوا جميعاً في مصر. وبقي بنو يعقوب يعيشون في هذا البلد مدة طويلة.

ويعقوب (عليه السلام) يُسمّى أيضاً إسرائيل؛ وأولاده يُسمَّون بني إسرائيل. عاشوا في مصر ولكنهم لم يكونوا مصريين. وبقوا فيها قروناً. وكانوا أقوياء في مصر لأن يوسف كان أحد حكّام مصر، فصار إخوته أقوياء في مصر.

ووقعت حروب بين المصريين القدماء (الأقباط والفراعنة) وبني إسرائيل. لأنهم كانوا يحسدون بني إسرائيل على حالهم. وبنو إسرائيل هم أبناء يعقوب الاثنا عشر وذرياتهم. فبدأ المصريون القدماء يحسدونهم، فاندلعت الحروب بينهم وبين بني إسرائيل. ودامت هذه الحروب حتى غلب الفراعنةُ بني إسرائيل.

وفي ذلك الزمان كان كل حاكم لمصر يُسمّى فرعون، كما يُسمّى حاكم الحبشة النجاشي، وحاكم الفرس كسرى، وحاكم الروم قيصر. فاستعبد الفراعنة بني إسرائيل.

إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ

القصص، الآية 4

المصادر الأصيلة

القرآن: سورة القصص (28:4)، فيديوهات الشيخ نبيل العوضي

رؤيا فرعون ومذبحة المواليد

كان هناك فرعون ظالم قاسٍ، جبار. ذكره الله (عز وجل) في القرآن فقال إنه استضعف بني إسرائيل، وجعلهم عبيداً وخدماً، وأذلّهم. وفي هذه الحال، رأى فرعون ذات ليلة رؤيا في منامه. فأقلقته هذه الرؤيا.

استيقظ مذعوراً. فماذا رأى فرعون؟ رأى ناراً تخرج من بيت المقدس، ناراً عظيمة تصل إلى مصر. تصوّروا هذه الرؤيا المخيفة، كانت الرؤيا واضحة جداً. نار تخرج من بيت المقدس وتمتد حتى مصر. وهذه النار إذا وصلت مصر أحرقت بيوت الفراعنة والأقباط كلها ولم تُبقِ إلا الإسرائيليين (بني إسرائيل). النار تهلك قوم فرعون والأقباط، ولكنها لا تمسّ الإسرائيليين.

استيقظ مذعوراً. فدعا الكهنة والعرّافين وجمعهم في مجلسه. وقصّ عليهم الرؤيا؛ هذه الرؤيا التي أرعبت هذا الرجل الظالم الذي كان يسيء إلى الناس. كان يقول للناس: «أنا ربكم الأعلى» والآن يخاف من رؤيا. سبحان الله (سبحانه وتعالى)! ما الذي يقلق هذا الرجل الضعيف الذي يدّعي أنه الرب الأعلى.

جمع كهنته والعرّافين والسحرة. جمعهم ليقصّ عليهم رؤياه، ففسّروا له أن غلاماً سيولد في بني إسرائيل. ولماذا في بني إسرائيل؟ لأنه رأى النار تخرج من بيت المقدس، ففهم الكهنة أن الغلام سيأتي من بني إسرائيل، أي من فلسطين. هذا الغلام سيكون من نسل بني إسرائيل، ومن فلسطين، من ذرية يعقوب (عليه السلام)، وبسبب هذا الغلام تهلك أنت يا فرعون.

فقرر أن يقتل جميع غلمان الإسرائيليين. كل مولود ذكر يذبحه. وأرسل جيشه ليقتل كل غلام من بني إسرائيل.

يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ

القصص، الآية 4

المصادر الأصيلة

القرآن: سورة القصص (28:4)، فيديوهات الشيخ نبيل العوضي

ولادة موسى والأمر الإلهي

كان يستحيي النساء ويقتل الغلمان. فجاءه وزراؤه وقالوا: «يا فرعون، من يخدمنا إن قتلت الغلمان جميعاً؟ لن يبقى إسرائيليون يخدموننا». فقرر أن يقتلهم سنة ويعفو عنهم سنة. ففي سنة العفو وُلد غلام اسمه هارون (عليه السلام)، وسيكون نبياً، وفي سنة القتل حملت أم موسى بموسى (عليه السلام). وستلد في السنة نفسها، السنة التي يقتل فيها فرعون أبناء الإسرائيليين.

ولما ولدت أم موسى موسى، خافت أن يُقتل. فأوحى الله (عز وجل) إلى أم موسى أن تصنع تابوتاً من خشب وتضع فيه الرضيع، وتضع التابوت في التيار (اليمّ). ويقال إنه نهر النيل. ضعيه في النهر، وتوكّلي على الله.

هذا الطفل في تابوت يُلقى في الماء، ولكنه سيُردّ إليك يوماً ويكون رسولاً. سيطفو هذا الطفل على الماء بإذن الله (عز وجل). الماء يجري، والطفل في هذا التابوت الخشبي، وبإذن الله سيصل التابوت إلى قصر فرعون.

وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ۖ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ

القصص، الآية 7

المصادر الأصيلة

القرآن: سورة القصص (28:7)، فيديوهات الشيخ نبيل العوضي

التبني في القصر والعودة إلى أمه

التقطته الجواري، فوجدن في التابوت رضيعاً فحملنه إلى فرعون. فأدرك فرعون أن الطفل من الإسرائيليين. فقال: «اقتلوه». ولكن من تدخّل؟ إنها امرأة فرعون. كانت امرأة طيبة القلب؛ فقالت: «(هذا الطفل) قرة عين لي ولك! لا تقتلوه. عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً». وهم لا يشعرون.

فقال فرعون: «ولماذا لا نقتله؟». فقالت له: «(هذا الطفل) قرة عين لي ولك». فقال: «لا، بل هو قرة عين لكِ وحدك».

لم يكن فرعون وجنده يعلمون من هذا الطفل الذي بين أيديهم. إنه الطفل الذي يبحث عنه فرعون، ومن أجله قتل أطفالاً كثيرين؛ ومن أجل هذا الطفل أراق الدماء. وإذا بالله (عز وجل) يرسل إليك هذا الطفل لينشأ في قصرك، ويكون لكم عدواً من بينكم. «إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين.» لم يكونوا يعلمون من هذا الطفل الذي أرسله إليهم الله (سبحانه وتعالى)، فعاش موسى في قصر فرعون بإذن الله.

وأصاب القلقُ أمَّ موسى. كيف ألقت رضيعها في النهر! وكادت تقول وتُفصح بأنها ألقت ابنها في النهر ليساعدها الناس في العثور عليه. غير أن الله (عز وجل) طمأن أم موسى. فالله هو الذي ربط على قلبها، فقالت لابنتها الكبرى أن تذهب تبحث عن موسى، لعلها تجده.

فخرجت أخت موسى تبحث عن أخيها. بحثت وسألت الناس واستقصت حتى وجدته في قصر فرعون. وجاءت نساء كثيرات إلى القصر ليُرضعن الرضيع، ولكن موسى رفض ثدي المراضع كلهنّ. فقد حرّم الله (سبحانه وتعالى) عليه من قبلُ ثدي المراضع.

فكلما أعطته مرضع ثديها رفضه موسى. وهكذا رفضهنّ واحدة بعد واحدة لأن الله حرّم عليه المراضع جميعاً. فلم يقبل ثدي امرأة قط حتى كاد يموت جوعاً. وعند ذلك دخلت أخت موسى فقالت: «هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم ويرعونه؟»

ودخلت أم موسى القصر بين سائر المراضع. وكادت تُفصح أنها الأم، وكانت تظن أن ابنها مات، أنه غرق. نظرت إليه، وكادت تُفشي سرها، ولكن الله ثبّتها. وحُمل الصغير إلى هذه المرأة، ولم يشكّ أحد أنه سيقبلها، وما إن اقترب من ثديها حتى بدأ يرضع لأنها أمه؛ أم موسى.

قال الله (عز وجل) في القرآن: "وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً. إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين."

وهكذا ردّ الله (عز وجل) الرضيع إلى أمه. وهو وعد أنجزه الله: "فرددناه إلى أمه كي تقرّ عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق. ولكن أكثرهم لا يعلمون."

قَالَتْ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ ۖ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ

القصص، الآية 9

المصادر الأصيلة

القرآن: سورة القصص (28) الآيات 8-13، فيديوهات الشيخ نبيل العوضي

حادثة الشباب والفرار إلى مدين

نشأ موسى في قصر فرعون. من مولده حتى صار شاباً قوياً حسن البنية. والعجيب أن موسى الذي امتلأ قلبه إيماناً نشأ في قصر مملوء كفراً. نشأ في قصر مظلم بالشرك والوثنية. سبحان من يخرج الحي من الميت! ولما كبر موسى واشتد وقوي بنيانه، آتاه الله (عز وجل) حكماً كثيراً وعلماً.

كان من بني إسرائيل، صحيح أنه نشأ في قصر فرعون، لكن الجميع كان يعلم أنه إسرائيلي. ولم تفارقه أمه طوال طفولته. فكان الجميع يعلم إذن أن موسى من بني إسرائيل. ولكن كانت له مكانة عظيمة عند قوم فرعون.

ولما صار رجلاً، خرج ذات ظهيرة والناس نائمون في بيوتهم؛ فدخل المدينة. ولما دخل موسى المدينة وجد رجلين يقتتلان. القبطي يضرب الإسرائيلي. وكان الإسرائيلي رجلاً ضعيفاً، فاستغاث ولم يكن هناك أحد. فأسرع موسى لنجدة الرجل.

رأى الرجل يُضرب ويُساء إليه، وأراد القبطي أن يقتل الإسرائيلي. فاستغاثه الذي من شيعته على عدوه. استغاث بموسى، ودعا موسى أن ينقذه، وكان موسى رجلاً قوياً شديد البنية. فأسرع موسى إلى الإسرائيلي لينصره. فوكز موسى القبطي وكزة واحدة فسقط أرضاً. وشهد الإسرائيلي المشهد فخاف. وهزّ موسى القبطي ليوقظه فإذا القبطي قد مات من ضربة واحدة.

ولما رأى موسى الرجل ميتاً بسبب خطئه. لم يكن موسى يريد أن يفعل ذلك، وإنما أراد أن يضربه ليبعده عن الرجل الضعيف. لكن القبطي هلك من وكزة واحدة. وبقي الرجل على الأرض، وفرّ الإسرائيلي، وجلس موسى وحده وأخذ يستغفر الله (سبحانه وتعالى).

قال موسى (عليه السلام) على الفور: "رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي." فغفر له. إنه هو الغفور الرحيم!

وانتشر الخبر بين الناس. وجاء الجند إلى المكان الذي مات فيه الرجل. ولما جاء الجند رأوا الخبر الفظيع. فلأول مرة يُقتل رجل من قوم فرعون. أما قتل إسرائيلي فكان أمراً عادياً، يقع كل يوم؛ الأطفال والنساء والشيوخ، كلهم يُذبحون. أما إذا كان القتيل من قوم فرعون فتلك جريمة.

وفي صباح الغد خرج موسى خائفاً يترقب، خاف أن يُقبض عليه. ومن كان يعلم بما فعل؟ لم يعلم إلا الإسرائيلي. وبينما موسى يمشي في المدينة خائفاً يتلفّت حوله. وإذا بمشكلة جديدة مع الإسرائيلي نفسه. كان يقتتل من جديد مع قبطي آخر. وكان الإسرائيلي يصرخ مستغيثاً بموسى، لأنه دافع عنه بالأمس.

فذهب إليه موسى وقال: «إنك لغويّ مبين.» أنت رجل مثير للمشاكل، كل يوم تثير مشكلة. ونهى موسى الإسرائيلي عن إثارة المشاكل، ثم تقدّم موسى بين الناس بجسده القوي الشديد. وأراد مع ذلك أن يساعده من جديد، لكن الإسرائيلي ظنّ العكس.

ولما تقدم موسى نحوهما، خاف الإسرائيلي أن يضربه موسى هذه المرة. فأخذ يصرخ «يا موسى، أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس؟» فنظر موسى حوله، والآن صار الناس يعلمون أن موسى هو الذي قتل الرجل بالأمس.

فهرب موسى، وأخذ الجند يبحثون عنه. فجاءه رجل وقال له: «يا موسى، إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك. فاخرج (من المدينة). إني لك من الناصحين». فخرج منها خائفاً يترقب.

وغادر موسى مصر متجهاً إلى مدين.

وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَٰذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ ۖ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ ۖ قَالَ هَٰذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ

القصص، الآية 15

المصادر الأصيلة

القرآن: سورة القصص (28) الآيات 14-21، فيديوهات الشيخ نبيل العوضي

الرحلة إلى مدين والزواج

في الطريق إلى مدين، عطش موسى (عليه السلام) وجاع. فلم يجد ماءً يشربه ولا طعاماً؛ وكاد الجوع والعطش يهلكانه. وكان حافي القدمين، خرج من مصر إلى مدين ماشياً. ورأى من بعيد بئراً. وحول البئر ناس يستقون الماء. وكان لهؤلاء الناس إبل وغنم ومواشٍ أخرى. كانوا يستقون من هذه البئر. فأسرع موسى (عليه السلام) على الفور نحو البئر.

ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون مواشيهم، ووجد أيضاً امرأتين تقفان بعيداً بماشيتهما. فعجب موسى (عليه السلام) من وقوف هاتين المرأتين على حدة. فسأل المرأتين: «ما خطبكما؟» فأجابت المرأتان بأدب بالغ: «لا نسقي حتى يصدر الرعاء؛ لا نختلط بالرجال، ننتظر حتى يبتعد الرجال جميعاً.» «أليس لكما أب أو أخ يقوم بذلك عنكما؟» «وأبونا شيخ كبير.»

فلم يزد موسى (عليه السلام) على مخاطبتهما، وذهب يسقي لهما ثم أوى إلى ظل شجرة وأخذ يدعو الله (عز وجل): «رب إني لما أنزلت إليّ من خير فقير.» ورجعت المرأتان إلى بيتهما مبكرتين هذه المرة لأن موسى أعانهما. رجعتا إلى أبيهما الشيخ الكبير وحدّثتاه بما جرى. فطلب أبوهما، وكان رجلاً صالحاً، من ابنتيه أن تذهبا لتأتيا بموسى. قال الأب: «أريد أن أكلمه».

وكان موسى (عليه السلام) يدعو الله (عز وجل)، فرأى إحدى المرأتين تمشي على استحياء وأدب. فقالت له: «إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا.» وهنا يبدأ الفرج؛ «إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا.» «لقد فعلت ما لا يفعله أحد في زماننا.» إنه الأدب، إنها مكارم الأخلاق، إنه الإحسان. ولم يستغل موسى (عليه السلام) حاجة المرأتين ليكلمهما؛ بل سقى لهما ثم تنحّى. مشت الفتاة على استحياء، ومشى موسى أمامها. وكانت تدلّه على الطريق برمي الحصى عن يمينه أو عن شماله.

ولما وصل إلى الشيخ الكبير طلب منه أن يقصّ عليه قصته. فقصّ عليه موسى (عليه السلام) لماذا غادر مصر، وما كان يفعله فرعون ببني إسرائيل؛ كيف كان يقتل الناس ويستعبد آخرين، وأنه فرّ بعد أن قتل نفساً خطأً. فطمأنه الشيخ: «نحن في أرض لا يبلغها فرعون ولا جنده.» «لا تخف: نجوت من القوم الظالمين.»

ثم جاءت إحدى الابنتين إلى أبيها فقالت: «نحن نساء، لا نستطيع أن نقوم بعمل الرجال... استأجره، إن خير من استأجرت القوي الأمين.» «يا أبتِ استأجره، إن خير من استأجرت القوي الأمين.»

وهكذا بدأ فرج موسى (عليه السلام) شيئاً فشيئاً. فجاءه الشيخ وقال: «أريد أن أعرض عليك أمراً.» «وما هو؟»، سأل موسى. فقال الرجل: «عندي ابنتان، اختر منهما من شئت وتزوجها.» «اختر من شئت.» «ولكن ليس عندي مهر أدفعه»، قال موسى. «تعمل عندي ثماني سنين. فإن أتممت عشراً فمن عندك.»

فقبل موسى (عليه السلام) العرض وتزوج إحدى الابنتين، وعاش موسى (عليه السلام) الكريم في مدين عشر سنين. وكان كرم الرب، العليّ، على موسى (عليه السلام) هذه الزوجة وهذه الحياة الهادئة سنين بعيداً عن فرعون وظلمه.

وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ ۖ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ۖ قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ ۖ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ

القصص، الآية 23

المصادر الأصيلة

القرآن: سورة القصص (28:23-28)، فيديوهات الشيخ نبيل العوضي

الوحي الإلهي في جبل الطور

عاش موسى (عليه السلام) عشر سنين في مدين، ولكنه حنّ إلى أرضه: مصر. فأخذ زوجته وأولاده وعاد إلى مصر، وفي الطريق، في وسط صحراء سيناء. ضلّ موسى (عليه السلام) الطريق. وفي جوف ليلة مظلمة باردة، كان موسى يمشي مع زوجته وأولاده. وبدأ يقلق على أهله، فربما يموتون من هذا البرد أو يفترسهم وحش. كل شيء ممكن، وكلما مشى موسى عاد إلى المكان نفسه. فازداد قلقه على أهله.

وفجأة رأى موسى (عليه السلام) ناراً من بعيد. فاطمأن حين رأى هذه النار، وغمرته الفرحة برؤيتها. فقال لأهله: «امكثوا هنا، إني آتٍ هذه النار، لعلي أجد من يدلني على الطريق، ولعلي آتيكم منها بقبس تصطلون به.»

ومشى موسى (عليه السلام)، وكان أسمر البشرة، نحو النار بعصاه، ونعلاه في قدميه؛ مشى خطوة خطوة، ولما اقترب من النار، في الوادي عند سفح الجبل، وجد النار. وكان موسى وحده هناك، والليلة باردة، وموسى عند سفح الجبل المسمى الطور. وكانت هذه النار عند شجرة خضراء. فاستغرب موسى (عليه السلام) ذلك، فليس عند النار أحد، النار وحدها. فاقترب موسى وهو يجرّ قدميه على الأرض، والعصا في يده.

وفجأة سمع موسى (عليه السلام) صوتاً يناديه. أيّ صوت؟ «يا موسى،» فنظر يميناً وشمالاً، «من يناديني؟». صوت لا يشبه أيّ صوت. «من يعرف اسمي؟ من يناديني؟» «ما هذا الصوت العجيب؟»

«يا موسى! إني أنا الله،» الله (عز وجل) أكبر. إنه الله (سبحانه وتعالى) العليّ يكلّم موسى (عليه السلام). كلّم الله (عز وجل) موسى تكليماً. إنها أول مرة يكلّم الله فيها موسى. «يا موسى! إني أنا الله رب العالمين.» فاستمع موسى (عليه السلام) على الفور إلى كلام ربه العليّ؛ «وكلّم الله موسى تكليماً». ولهذا يُسمّى موسى (عليه السلام) بالذي كلّمه الله مباشرة [كليم الله].

سمع الله (سبحانه وتعالى) العليّ يناديه: «يا موسى! إني أنا الله رب العالمين.» وقد خاف موسى (عليه السلام) في البداية، ولكنه الآن بدأ يأنس بهذا الصوت.

«يا موسى! إني أنا ربك. فاخلع نعليك.» فخلع موسى (عليه السلام) نعليه. «فاستمع لما يوحى.» «وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى. إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري. إن الساعة آتية أكاد أخفيها.»

أعطاه الله (عز وجل) أوامر، ثم قال له، وهو العليّ: «وما تلك بيمينك يا موسى؟» والآن اطمأن موسى وأراد أن يكلّم ربه. وكان الجواب المعتاد أن يقول: «هي عصاي» ولكن موسى قال أكثر من ذلك، لأنه أنس بهذا الحديث مع ربه. «هي عصاي أتوكأ عليها وأهشّ بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى.»

[فقال الله له]: «ألقها يا موسى.» - ألقِ العصا على الأرض يا موسى. ولماذا؟ فألقى موسى (عليه السلام) العصا على الأرض. فأخذت العصا تهتزّ. الله (عز وجل) أكبر. اهتزّت كأنها ثعبان عظيم. فولّى موسى خوفاً؛ كيف تحوّلت إلى ثعبان عظيم؟ «فلما رآها تهتز كأنها جان ولّى مدبراً ولم يعقّب.» ولم يلتفت، فرّ موسى ولكن الله ناداه: «يا موسى! أقبل ولا تخف: إنك من الآمنين.» «لا تخف يا موسى، هذه إحدى آياتي» «خذها بيمينك» يأخذ ماذا؟ يأخذ ثعباناً بيده؟

فاقترب موسى (عليه السلام) من الثعبان، ولما وضع يده عليه عاد الثعبان عصا. يا الله! أيّ معجزة! إذا ألقاها صارت ثعباناً، وإذا أخذها عادت عصا. هذه أول آية من آيات الله (عز وجل). وما الثانية؟ «واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء» تكون مضيئة «وإذا أعدتها عادت كما كانت»

فإذا أخرجها صارت بيضاء «وذلك آية أخرى، لنريك من آياتنا الكبرى.» ولماذا كل ذلك؟

«ستكون رسولي» إلى من؟ «اذهب إلى فرعون إنه طغى.» في وسط هذا الوادي العظيم، عند هذه النار، عند جبل الطور، كانت أول مرة يكلّم فيها موسى (عليه السلام) الله (عز وجل). وفي جوف تلك الليلة المظلمة الباردة، عند تلك النار، بدأت مهمة موسى (عليه السلام)، ليذهب إلى فرعون، ليدعوه إلى دين الله، وليدعوه إلى التوحيد وعبادة الله (عز وجل).

وتوجّه موسى (عليه السلام) إلى فرعون.

فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ

القصص، الآية 29

المصادر الأصيلة

القرآن: سورة القصص (28:29-35)، سورة طه (20:9-24)، فيديوهات الشيخ نبيل العوضي

العودة إلى مصر ومواجهة فرعون

أمر الله (عز وجل) موسى (عليه السلام) أن يذهب إلى فرعون ليدعوه إلى عبادة الله. فتذكّر موسى (عليه السلام) أنه قتل نفساً من قبل، وأن فرعون يطلبه ليقتله. فكيف يجرؤ على الذهاب إلى فرعون؟ وإن قتله فرعون، فكيف يدعو موسى إلى عبادة الله؟ وفكّر فيما أصاب لسانه حين كان غلاماً. فسأل ربه أن يرسل معه أخاه هارون (عليه السلام) لأن هارون أفصح منه لساناً. فاستجاب الله (عز وجل) لطلب موسى.

قال الله (عز وجل) عن موسى: «قال رب إني قتلت منهم نفساً فأخاف أن يقتلون.» إنه الذنب الأول، وهو مشكلة، وما المشكلة الثانية؟ «وأخي هارون هو أفصح مني لساناً فأرسله معي ردءاً يصدقني، إني أخاف أن يكذبون.»

«واجعل لي وزيراً من أهلي هارون أخي، اشدد به أزري وأشركه في أمري» فقال الله (عز وجل) لموسى: «قال قد أوتيت سؤلك يا موسى.»

ورجع موسى (عليه السلام) إلى مصر وكلّم أخاه هارون (عليه السلام)، الذي جعله الله نبياً مثله ليعينه. فسأل هارون عما أمر الله به. «أن نذهب فوراً إلى قصر فرعون، وندعوه إلى عبادة الله العليّ»

ولما وصل موسى (عليه السلام) -والعصا في يده- وهارون (عليه السلام) إلى فرعون. أوقفهما الحرس في الخارج. «ماذا تريد؟»، سأل حارس. فقال موسى: «أريد الدخول على فرعون.» «ومن أنت؟»، سأل الحارس. فقال موسى: «قل له إنه موسى بن عمران.» فذهب الحارس إلى فرعون وأخبره أن أحداً يريد رؤيته. «ومن هو؟»، سأل فرعون. «اسمه موسى»، أجاب الحارس. «أيّ موسى؟»، سأل فرعون. فقال الحارس: «موسى بن عمران.» فقال فرعون: «موسى بن عمران جاء بنفسه إليّ! إني أطلبه منذ زمن طويل.» «إنه في الخارج ينتظر لقاءك»، قال الحارس.

فأمر فرعون بإدخاله. فدخل موسى والعصا في يده ومعه أخوه هارون (عليه السلام). واتكأ موسى على عصاه، وقد كان متعباً. دخل موسى قصر فرعون ليبلّغ رسالة الله (عز وجل) وليدعو فرعون إلى عبادة الله.

ولما دخل موسى (عليه السلام) مع أخيه هارون (عليه السلام) قصر فرعون. وجدا الملأ حول فرعون. المقرّبين والوزراء والأصحاب، كلهم حوله. ولما دخل موسى عرفه فرعون. فسأله: «لماذا جئت يا موسى؟». فكلّم موسى فرعون بلطف وأدب: «هل لك أن تزكّى؟ وأهديك إلى ربك فتخشى؟»

فدُهش فرعون وتعجّب. «أنت يا موسى، وجدناك وأطعمناك ونشأت عندنا، ثم غبت 10 سنين بعد أن قتلت رجلاً، وها أنت ترجع الآن بدين جديد. فما هذا الذي تقول؟» «قال ألم نربّك فينا وليداً ولبثت فينا من عمرك سنين؟ وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين.»

ولم ينكر موسى (عليه السلام) أنه قتل نفساً خطأً. «قال فعلتها إذاً وأنا من الضالين. ففررت منكم، ولكني رجعت لأذكّركم بعبادة الله (سبحانه وتعالى) العليّ».

وأخذ فرعون يسخر من موسى، سخر منه أمام الجميع. فسأله فرعون، وهو يظن أن موسى لن يُحسن الجواب: «قال فرعون وما رب العالمين؟»

فأجاب موسى (عليه السلام) بجرأة: «قال رب السماوات والأرض وما بينهما، إن كنتم موقنين!»

أراد موسى أن يسمع الجميع دعوته إلى التوحيد. أراد موسى أن يقول إن فرعون الذي يدّعي الألوهية ليس إلا كاذباً. ويطلب منهم موسى أن يعبدوا من خلق السماوات والأرض وما بينهما. فغضب فرعون وقام من كرسيه، وقال لمقرّبيه: «ألا تسمعون ما يجرؤ هذا الرجل على قوله؟» فأجاب موسى بثقة: «ربكم ورب آبائكم الأولين»

فإن كان فرعون إلهاً، فمن الذي خلقكم وخلق آباءكم الأولين؟ إنه الله (سبحانه وتعالى) العليّ. وعند ذلك بدأ فرعون يشتد في القول: «قال: انظروا إلى هذا الرجل الذي زعم أنه أُرسل إليكم، إنه لمجنون. قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون.»

ولم يلتفت موسى (عليه السلام) إلى هجوم فرعون ومضى في كلامه. «قال رب المشرق والمغرب وما بينهما، إن كنتم تعقلون!»

«لننظر من المجنون ومن العاقل، أنا أم أنت أم من حولك من الناس، يا فرعون»، قال موسى. فمن المجنون ومن العاقل؟ فاحتدّ فرعون وثار قائلاً لمن حوله: «ما لكم من إله غيري يا موسى، لئن لم تنتهِ لأسجننّك». «قال لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجونين.»

فأين الحوار يا فرعون؟ وأين عقلك؟ إن كنت لا توافق موسى فأثبت ذلك، وحاجج بالبراهين، فلماذا تريد سجنه؟

هذا ملجأ ضعاف العقول: السجن. مسكين فرعون، ومساكين أمثال فرعون. إنه لا يعلم أن موسى (عليه السلام) لا يخاف السجن. موسى لا يخاف، لا الهجوم ولا التعذيب ولا السجن.

فأجاب موسى (عليه السلام) فرعون، وقلب النقاش لصالحه. كان موسى حكيماً ذكياً، وهو أحد أولي العزم الخمسة من الرسل؛ وهو الذي كلّم الله. «أولو جئتك بشيء مبين؟»، قال موسى. «قبل أن ترسلني إلى السجن، دعني أكلّم الناس، دعني آتك ببرهان»

فسأل فرعون: «وماذا تستطيع أن تأتي به من برهان مبين، وأنت تعجز عن البيان؟».

فرفع موسى (عليه السلام) يده حينئذ ممسكاً بالعصا وألقاها أمام الجميع فإذا هي ثعبان مبين. فقام الناس من أماكنهم، وخافوا من عصا موسى. «فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين.»

ثم نزع يده فإذا هي بيضاء (متلألئة). فانبهر جميع الحاضرين. وعندها لم يجد فرعون ما يقول، ولم يدرِ كيف يتصرف. فماذا فعل فرعون بعد ذلك؟ وماذا قال؟ وكيف تصرّف؟ أسلّم بالحقيقة؟ أم تحدّى موسى (عليه السلام) في مواجهة جديدة؟ ماذا جرى بين موسى وفرعون؟

قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ ۝ قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ

الشعراء، الآيات 23-24

المصادر الأصيلة

القرآن: سورة الشعراء (26:10-33)، سورة القصص (28:35-36)، فيديوهات الشيخ نبيل العوضي

تحدي السحرة وانتصار العصا

قال فرعون للناس إن ما فعله موسى (عليه السلام) الآن سحر. سحر معروف عندنا. وسنأتيه بسحر مثله بل أعظم منه.

قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَىٰ ۝ فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَّا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنتَ مَكَانًا سُوًى

طه، الآيات 57-58

وهنا اغتنم موسى (عليه السلام) الفرصة. أتريد موعداً يا فرعون؟ أتريد مكاناً وزماناً لتحدّينا؟ أأنا على الحق أم أنت والسحرة؟ لقد اغتنم موسى (عليه السلام) هذه المناسبة. ماذا تريد يا موسى؟ اختر اليوم، واختر المكان والزمان. فاختار موسى (عليه السلام) يوم الزينة. ولم يختر ساعة عادية، بل اختار الضحى، الساعة التي يجتمع فيها الناس جميعاً. الرجال والنساء، الصغار والكبار.

قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى

طه، الآية 59

شرطي أن يجتمع الناس كلهم. حين تكون الشمس قد طلعت والناس ينظرون جميعاً، حتى لا يخفى على الناس شيء. وبالفعل جاء ذلك اليوم. جمع فرعون السحرة، فقال ائتوني بكل ساحر عليم؛ ائتوني بأمهر ساحر في مصر. فأُتي فرعون بالسحرة جميعاً، فاجتمعوا عنده وقالوا له: أإن لنا لأجراً إن كنا نحن الغالبين؟

قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَّمِنَ الْمُقَرَّبِينَ

الشعراء، الآية 42

وأخذ فرعون يجمع الناس، يجمع أهل مصر ويجمعون بني إسرائيل. الجميع، من قوم فرعون ومن بني إسرائيل. اجتمع الناس ينتظرون هذه المعركة وهذا التحدي. خرجت المرأة بأولادها، والشيوخ والعجائز والصغار والنساء والرجال، خرج الجميع ذلك اليوم ليشهدوا هذه المعركة.

أإله موسى (عليه السلام) وهارون (عليه السلام) على الحق أم فرعون على الحق؟ واجتمع الناس. وآلاف السحرة أمام موسى (عليه السلام)، وليس معه إلا عصاه في يده. فأسدى إليهم موسى (عليه السلام) نصيحة. قال لهم في البداية:

قَالَ لَهُم مُّوسَىٰ وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ ۖ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَىٰ

طه، الآية 61

ولما سمعوا كلامه، أدركوا أنه ليس كلام إنسان عادي، وليس كلام ساحر. كما وصفه لهم فرعون، فتنازعوا بينهم. لم يتفق الناس، ولا السحرة. ما هذا الكلام؟ كلام غريب، كلام غير معتاد. لعلنا نُعذَّب من الله (عز وجل) كما يقول هذا الرجل. فقال بعضهم: لن نواجهه، وقال آخرون: بل نواجهه.

فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَىٰ

طه، الآية 62

وطمأن بعضهم بعضاً، فقالوا: لا عليكم، ما هذان إلا ساحران، يريدان أن يملكا هذه الأرض ويخرجاكم من أرضكم.

فَاجْمَعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا ۚ وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَىٰ

طه، الآية 64

وتواجه الفريقان. فريق موسى (عليه السلام) ومعه العصا، وفريق آخر، آلاف السحرة. وفي أيديهم عصيّ. فقالوا: يا موسى، من يبدأ؟

قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ

طه، الآية 65

فقال لهم موسى (عليه السلام): بل ألقوا. ابدأوا أنتم بالإلقاء. وقبل أن يلقوا قالوا:

وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ

الشعراء، الآية 44

يقسمون بعزة فرعون لأنهم لا يؤمنون بالله (عز وجل). وكان فرعون مسروراً، وألقى السحرة عصيّهم فتحوّلت كل عصا إلى ثعبان عظيم. وتحوّلت آلاف العصي إلى آلاف الثعابين، والناس يتراجعون، والناس يفرّون. وموسى (عليه السلام) ينظر إليهم فيخاف، يخشى أن يردّ الناس دعوته. وألقوا عصيّهم:

فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ

الأعراف، الآية 116

لقد سحروا أعين الناس كما قال الله (عز وجل). فخاف الناس، وسُرّ فرعون. وسُرّ الملأ من حول فرعون أيضاً. وسُرّ السحرة.

وموسى (عليه السلام)، يوحي إليه الله (عز وجل):

وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ

الأعراف، الآية 117

فلما ألقى موسى (عليه السلام) عصاه تحوّلت إلى ثعبان التقم ثعابينهم كلها. ثعبان عظيم، ثعبان لم يكن معروفاً، لم يره أحد من قبل.

فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ۝ فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ

الأعراف، الآية 118

فغُلب السحرة، ولما رأوا ذلك علموا أنه فعل الله (عز وجل) وأنه ليس فعل بشر. فسجد السحرة جميعاً لله (عز وجل).

وفرعون ينظر، والناس ينظرون. لقد انتهت هذه المعركة بسجود السحرة لله (عز وجل).

المصادر الأصيلة

القرآن: سورة طه (20:57-65)، سورة الأعراف (7:116-118)، سورة الشعراء (26:42-44) فيديوهات الشيخ نبيل العوضي

إسلام السحرة وغضب فرعون

غضب فرعون لما جرى. فكل السحرة الذين أتى بهم سجدوا؛ سجدوا لمن؟ فقال لهم فرعون: لمن سجدتم.

قَالُوا آمَنَّا

طه، الآية 70

قال: آمنتم بمن؟

فَأُلْقِىَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّدًۭا قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِرَبِّ هَٰرُونَ وَمُوسَىٰ

طه، الآية 70

وجمع فرعون كل السحرة الذين أتى بهم لمحاربة دين الله (عز وجل)؛ أتى بهم فرعون، آلاف السحرة. قال: آمنتم بمن؟

ثم قال لهم: لو أنكم استأذنتموني قبل أن تؤمنوا به.

آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ

طه، الآية 71

ثم التفت إلى كل من حوله وقال:

إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ

طه، الآية 71

لقد أشاع بين الناس بعد أن خسر، وبعد أن انكشف أمره. أشاع بين الناس أن موسى (عليه السلام) كبير السحرة، وأنه قائدهم، وأنه هو الذي علّمهم السحر. وظن أن بني إسرائيل لن يؤمنوا بهذه الآية البيّنة.

خسر فرعون. وأخذ يهدّد السحرة. قال لهم إنهم إن لم يرجعوا عن دينهم الجديد وإيمانهم بإله هارون (عليه السلام) وموسى (عليه السلام) فسيعذّبهم. سأربط كل واحد منكم بشجرة، وبالفعل ربطهم. وقال إنه قطع من كل واحد يداً ورجلاً. قال فرعون مهدّداً السحرة:

لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَىٰ

طه، الآية 71

وهؤلاء السحرة الذين كانوا يحاربون الله (عز وجل) ونبيه، انظروا إلى عزيمتهم:

قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا ۖ فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا

طه، الآية 72

افعل ما شئت يا فرعون، فإنا آمنا بالله (عز وجل) رب العالمين. وما تفعله لا يهمّ، اقطع أيدينا، اقتلنا، اذبحنا، فإنك تفعل ذلك في الحياة (الدنيا) ونحن لا نريد هذه الحياة.

سبحان الله. كانوا يحاربون الله (عز وجل) والآن هم عازمون لا يخافون التعذيب في سبيل الله (عز وجل).

إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَن كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ

الشعراء، الآية 51

وبالفعل، ذبحهم فرعون جميعاً. في أول النهار كانوا سحرة كافرين، وفي آخر النهار كانوا شهداء أبرياء. لقد غُلب فرعون، وهذه ثاني مرة يغلبه فيها موسى (عليه السلام).

المصادر الأصيلة

القرآن: سورة طه (20:70-73)، سورة الشعراء (26:51)، فيديوهات الشيخ نبيل العوضي

البلايا الإلهية وعناد فرعون

ومع أن السحرة آمنوا بالله (عز وجل)، ورأى فرعون ما رأى من الآيات البيّنات. إلا أنه بقي على عناده وكفره وإصراره. موسى (عليه السلام) يدعوهم إلى الإيمان بالله (عز وجل) وهم يمضون في كفرهم. واشتدّ الكفر، واستمر الظلم، فأرسل الله (عز وجل) على فرعون وقومه آيات. أرسلها الله (عز وجل) على فرعون ليرجع إلى عبادته. ولكن كيف يرجع رجل مثله إلى عبادة إلهه؟

أول بلاء نزل بهم: الجدب والقحط؛ أصابهم قحط فيبست الزروع وماتت المواشي. وأصابهم جوع شديد وعذاب عظيم. فذهبوا إلى موسى (عليه السلام) يطلبون منه أن يدعو الله (عز وجل) أن يكشف عنهم هذا العذاب.

وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ

الأعراف، الآية 130

وكلما نزل بهم البلاء ذهبوا إلى موسى (عليه السلام). يعلمون أن له إلهاً يستجيب له، ومع علمهم بذلك لم يؤمنوا به.

وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ ٱلرِّجْزُ قَالُوا۟ يَٰمُوسَى ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ ۖ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا ٱلرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ

الأعراف، الآية 134

فيدعو موسى (عليه السلام) إلهه، فيردّ الله (عز وجل) عليهم الأرزاق من جديد وتعود الثمار تنبت من جديد. فيرجعون إلى كفرهم. بقوا على كفرهم وعنادهم. فعاقبهم الله (عز وجل) من جديد، وما العقوبة هذه المرة؟ الطوفان. طوفان أهلك الزروع كلها وغمر كل ما عندهم من ثمار، فرجعوا إلى موسى (عليه السلام).

فدعا الله (عز وجل)، ولما دعاه بقوا على كفرهم وعنادهم. وتوقّف الطوفان وعادت الزروع تنبت من جديد فازدادوا كفراً، فأنزل الله (عز وجل) بلاءً آخر. أنزل عليهم الجراد فأهلك الزروع كلها وأتلف المحاصيل كلها. فقالوا يا موسى (عليه السلام)، ادعُ لنا إلهك. إن كشفت عنا هذا العذاب، إن رفع عنا إلهك هذا البلاء آمنّا به. فدعا الله (عز وجل). فذهب الجراد ونبتت الزروع من جديد ولكنهم بقوا على عنادهم.

طوفان ثم جراد ثم القُمَّل. وما القُمَّل؟ حشرات صغيرة تأكل الزروع كلها. وبعد أن خبّأها، جاء القُمَّل والحشرات لتأكلها فذهبوا إلى موسى (عليه السلام). قالوا ادعُ لنا إلهك فدعا الله (عز وجل) فكشف عنهم القُمَّل والحشرات. ولكنهم رجعوا إلى كفرهم واستمروا في طغيانهم. فأنزل الله (عز وجل) عليهم عذاباً آخر. الضفادع، انتشرت هذه الحيوانات عندهم. في بيوتهم وفي غرفهم وعلى فرشهم؛ غطّت الأرض كلها. فقالوا يا موسى ادعُ لنا إلهك.

فدعا الله (عز وجل) ولكنهم بقوا على كفرهم. فأنجاهم الله (عز وجل) من بلاء الضفادع فأرسل عليهم عقوبة أخيرة. وهي الدم؛ تحوّل ماؤهم كله إلى دم. فلم يعودوا يستطيعون شرب الماء.

فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُّجْرِمِينَ

الأعراف، الآية 133

بقي قوم فرعون على كفرهم وعنادهم وكبرهم مع أنهم رأوا الآيات البيّنات.

ومع أن الله (عز وجل) أنجاهم من عذابات كثيرة، فقد بقوا على كفرهم.

وقرر فرعون وقومه أن يذبحوا بني إسرائيل، وأن يعذّبوهم ويقتلوهم، وأن يريقوا دماءهم؛ فلم يتركوا طفلاً ولا امرأة إلا أذلّوه. وزاد قوم فرعون في تعذيب بني إسرائيل وهؤلاء يصبرون ويحتملون حتى أوحى الله (عز وجل) إلى موسى (عليه السلام) وأخيه هارون (عليه السلام): مُرا بني إسرائيل أن يبقى كل واحد في بيته وألا يخرج من بيته إلا لأمر لا بد منه، واجعلوا بيوتكم مصلّى واجعلوها قبلة وأكثروا من الصلاة وأكثروا من الدعاء.

وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ

يونس، الآية 87

ولكن التعذيب لا يزداد إلا شدة والبلاء يعظم على بني إسرائيل، حتى جاء بنو إسرائيل إلى موسى (عليه السلام). قالوا يا موسى، لقد أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا، ننتقل من عذاب إلى عذاب ومن بلاء إلى بلاء. ولكن بني إسرائيل صابرون، لا حول لهم ولا قوة. حتى أوحى الله (عز وجل) إلى موسى (عليه السلام) وأخيه هارون (عليه السلام) أنه قد آن أوان الخروج من مصر وأنه قد آن أوان مغادرتها.

المصادر الأصيلة

القرآن: سورة الأعراف (7:130-133)، سورة يونس (10:87-88)، فيديوهات الشيخ نبيل العوضي

الخروج ومعجزة البحر الأحمر

مُرا بني إسرائيل أن يخرجوا جميعاً في يوم معيّن. رجالهم ونساؤهم وأطفالهم وشيوخهم. فاستأذنوا فرعون في الخروج يوم عيد لهم ليقيموا أعيادهم فصدّقهم فرعون. فخرجوا تلك الليلة، جميعاً، مئات الألوف من الناس. الرجال والنساء. الشيوخ والأطفال والعجائز. خرجوا جميعاً وعلم فرعون بذلك بعد ساعات.

فأرسل في إثرهم من يطلبهم، وجمع جيشه. ولما جمعه قال لهم:

إِنَّ هَٰؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ ۝ وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ ۝ وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ

الشعراء، الآيات 54-56

وحشد حشداً كاملاً، جيشه كله، الرجال كلهم. ليخرجوا في طلب بني إسرائيل.

لم يكن يريد أن يترك رجلاً ولا امرأة ولا طفلاً ولا شيخاً إلا قتله، وبالطبع خرج فرعون بجيشه في طلب بني إسرائيل.

ووصل موسى (عليه السلام) ببني إسرائيل إلى ساحل. والبحر أمامهم، وعند مطلع النهار نظروا خلفهم فرأوا فرعون. كان ظاهراً في الأفق. ومعه جيشه الذي ربما يتجاوز مئات الألوف. جيش جبّار، وصل إلى بني إسرائيل. البحر أمامهم، والعدو خلفهم. فمن كان مع موسى (عليه السلام)؟ أخوه هارون (عليه السلام). ومن كان معه؟ يوشع بن نون. ومن كان معه؟ مؤمن آل فرعون. وكان معه الضعفاء والفقراء؛ العجائز والأطفال والشيوخ.

لم يكن لموسى (عليه السلام) سلاح، ولم يكن له جيش عظيم. وكان أكثرهم من النساء لأن فرعون كان يُهلك الذكور من الأطفال. فنظر الناس وخافوا. قالوا ماذا نفعل وهذا المحيط أمامنا؟ ماذا نفعل وقد أدركنا فرعون؟

فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ

الشعراء، الآية 61

سنُدرَك، انتهى الأمر، لقد قُضي علينا. ووصل فرعون وكان مسروراً وقال لجنوده: انظروا! انظروا كيف حبسهم البحر. لقد منعهم البحر من الفرار؛ انظروا، البحر في صفّي. لقد حبسهم البحر لنا. والآن سنهلكهم، سنذبحهم.

فمن كان مع موسى (عليه السلام)؟ مؤمن آل فرعون وكان على فرس. فحاول أن يدخل الماء بفرسه، فرجع [لم يستطع]. فسأل موسى (عليه السلام): قال يا موسى، يا نبي الله، أهاهنا أُمرت أن تأتي؟ قال نعم، هاهنا أُمرت أن آتي. فحاول مؤمن آل فرعون مرة ثانية فرجع بفرسه. فمن يسأل؟ إنه يسأل موسى (عليه السلام) والبحر أمامه. قال يا موسى أهاهنا أُمرت أن تأتي؟ فيجيبه موسى (عليه السلام) نعم هاهنا أُمرت أن آتي. فأين المخرج؟ وأين المهرب؟

ثم أقبل فرعون نحوهم واقترب منهم.

وكاد يصل ويتمكن من قتلهم جميعاً، وكانوا مستعدين لذبح بني إسرائيل. وعند ذلك أوحى الله (عز وجل) إلى موسى (عليه السلام). كان موسى (عليه السلام) موقناً أن النصر آتٍ. ولما بدأ بنو إسرائيل يضطربون، ماذا قال موسى (عليه السلام)؟

قَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ

الشعراء، الآية 62

الله معي ولن يخذلني أبداً. إنه التوكل على الله (عز وجل). وعند ذلك أمر الله (عز وجل) موسى (عليه السلام). قال الله (عز وجل) لموسى (عليه السلام):

أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ

الشعراء، الآية 63

فضرب موسى (عليه السلام) البحر بعصاه فانفلق البحر فرقين.

فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ

الشعراء، الآية 63

انفلق البحر فرقين، كل فرق كالجبل العظيم. الله أكبر!

كان البحر كجبلين وبينهما طريق. فعبر موسى (عليه السلام) ومعه مئات الألوف من بني إسرائيل. مشوا جميعاً بين جبلي الماء. ومشى موسى (عليه السلام) حتى جاوز البحر وكان فرعون قد وصل للتوّ. وهو خلفهم الآن، وصل إلى البحر والبحر لا يزال منفلقاً فرقين. ولما جاوز موسى (عليه السلام) البحر أراد أن يضرب البحر بعصاه ليعود كما كان. فقال له الله (عز وجل): لا يا موسى. اترك البحر على حاله، اتركه هكذا.

وفرعون لا يزال متردداً، أأعبر أم لا؟ والناس يقولون له اتبعه يا فرعون، أدركه فإنه سيفرّ. وأخذ الملك جبريل (عليه السلام) ينزل [من السماء] بفرس جذب فرس فرعون. فدفعه إلى الدخول بين جبلي الماء، وفرعون، من غير إرادته، كان يشعر بالفعل أن هناك أمراً غير طبيعي؛ كان يعلم أن موسى (عليه السلام) رسول من الله (عز وجل)، وأنه مرسل من ربه. وبدأ فرعون يعبر بين جبلي الماء. فإلى أين دخل؟ إلى مصيره الأخير. ولما دخل دخل جيشه معه. ولما بلغ وسط البحر عاد البحر إلى حاله الأولى. وانهال البحر بأمواجه المتلاطمة كالجبال على فرعون. عاد البحر كما كان، وانطبق على فرعون وجنوده. البحر جند من جنود الله (عز وجل) وهو مطيع لأمر الله (عز وجل). والآن يغرق جنوده، ويغرق فرعون. وفي تلك اللحظات أراد فرعون أن يتوب، أراد أن يؤمن، قال فرعون:

آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ

يونس، الآية 90

وعند ذلك قال الله (عز وجل) لفرعون:

آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ

يونس، الآية 91

الآن لا تنفعك التوبة.

ولم يصدّق بنو إسرائيل موت فرعون؛ قالوا لم يمت فرعون، هذا الرجل لا يموت! هذا الشخص الذي أذاقنا العذاب كل تلك السنين لا يموت. فطفت جثته على السطح. فأنجى الله (عز وجل) جثته، وهي موجودة إلى اليوم:

فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ۚ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ

يونس، الآية 92

المصادر الأصيلة

القرآن: سورة الشعراء (26:52-66)، سورة يونس (10:90-92)، فيديوهات الشيخ نبيل العوضي

عبادة العجل الذهبي وغضب موسى

وأغرق الله (عز وجل) فرعون وجنوده في البحر. ورأى بنو إسرائيل ذلك. وما إن جاوزوا البحر حتى مرّوا على قوم يعبدون صنماً على صورة عجل. فقالوا لموسى (عليه السلام):

اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ

الأعراف، الآية 138

الله أكبر! لقد أنجاكم الله (عز وجل)، والآن تريدون إلهاً آخر؟

قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ

الأعراف، الآية 138

ما هذا الجهل الذي أنتم فيه؟

ومضى موسى (عليه السلام)، وهو في مسيره في صحراء سيناء مع بني إسرائيل. مضى إلى موعد مع ربه. ليكلّم الله (عز وجل)، إنه موعد بينه وبين الله (عز وجل). واستخلف على بني إسرائيل أخاه هارون (عليه السلام). وكان قد صام شهراً كاملاً، ويقال إنه ذو القعدة، قبل أن يلقى ربه. وطلب منه الله (عز وجل) أن يُتمّ، فقال له صم 10 أيام أخرى. فذهب إليه في اليوم 10 من ذي الحجة.

ورجع موسى (عليه السلام) إلى قومه والألواح في يده. رجع إلى قومه ليرى ما جرى. فرأى بعض قومه يعبدون العجل من دون الله (عز وجل).

وكان هناك رجل اسمه "السامري" خدعهم. وسخر منهم. فأخذ الذهب الذي أخذوه من قوم فرعون، وصنع عجلاً. وطلب منهم أن يعبدوه من دون الله (عز وجل)، وكانت الريح تدخل في هذا العجل وتخرج منه. فيُصدر صوتاً كخوار البقر. فقالوا إن العجل إله. بل قال بعضهم: "هذا إله موسى فنسي." نسي موسى (عليه السلام)، ذهب ليكلّم إلهه وهو معنا. انظروا إلى جهلهم وحماقتهم.

ورآهم موسى (عليه السلام) يعبدون العجل، ويرقصون ويغنّون حوله. فألقى الألواح غاضباً. ثم أقبل على أخيه هارون (عليه السلام). قال: "يا قوم ماذا فعلتم؟! ماذا صنعتم؟! لماذا فعلتم هذا؟!"

أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ

الأعراف، الآية 150

ألقى الألواح وأخذ بلحية هارون (عليه السلام)؛ جرّها وقال: "يا هارون!"

قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا ۝ أَلَّا تَتَّبِعَنِ ۖ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي ۝ قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي ۖ إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي

طه، الآيات 92-94

ظننت يا موسى أنني إن أمرتهم ونهيتهم أن يتفرقوا. ولعلّ شيئاً يقع فتلومني يا موسى.

المصادر الأصيلة

القرآن: سورة الأعراف (7:138-150)، سورة طه (20:83-97)، فيديوهات الشيخ نبيل العوضي

الموعد الإلهي في جبل سيناء وطلب الرؤية

ومضى ليكلّم الله (عز وجل) على ذلك الجبل. وآتاه الله (عز وجل) ألواحاً كان على موسى (عليه السلام) أن يكتب فيها التوراة. وحاور الله (عز وجل)، فأعطاه الله (عز وجل) وصايا وحِكماً ودروساً. وبعد أن كلّمه الله (عز وجل)، اشتاق موسى (عليه السلام) إلى رؤية ربه. فكلما سمعت صوته اشتقت إلى رؤيته. قال موسى (عليه السلام):

رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ

الأعراف، الآية 143

قال الله (عز وجل): "يا موسى، لن يراني أحد في هذه الحياة (الدنيا). ولكن أهل الإيمان في الجنة سيرونني."

قال موسى (عليه السلام): "يا ربي، إني أشتاق إلى رؤيتك." قال الله (عز وجل): "يا موسى، انظر إلى هذا الجبل." وكان قرب موسى (عليه السلام) جبل عظيم. "سأتجلّى لهذا الجبل. فإن استقر مكانه حين يراني فسوف تراني." فتجلّى الله (عز وجل) للجبل فاندكّ الجبل. وانهار الجبل وصار تراباً. ولما رأى موسى (عليه السلام) ما جرى صُعق. خرّ صعقاً، ثم أفاق فقال:

سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ

الأعراف، الآية 143

قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا ۚ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ

الأعراف، الآية 143

أنا أول المسلمين والمؤمنين يا رب. ثم سأله الله (عز وجل):

وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَىٰ

طه، الآية 83

فقال لله (عز وجل):

قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَىٰ أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ

طه، الآية 84

قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ

طه، الآية 85

فرجع موسى (عليه السلام) إليهم.

قال: "يا قوم لماذا فعلتم هذا؟ لماذا فعلتم هذا؟ من الذي خدعكم وجعلكم تعبدون العجل من دون الله؟" فقالوا لموسى (عليه السلام): إنه رجل. "ومن هو؟" فأجابوا إنه رجل اسمه السامري. "وأين هو؟" فأتوا بالسامري إلى موسى (عليه السلام). قالوا له: "تعال! موسى يريد رؤيتك." فدعاه موسى (عليه السلام) وكلّمه فقال له: "لماذا فعلت هذا يا سامري؟"

قال: "لما أهلك الله فرعون، رأيت جبريل وكان على فرس. فأخذت قبضة من أثر فرسه ثم ألقيتها على شيء صنعناه على صورة عجل، ولد البقرة. وكانوا قد أخذوا شيئاً من ذهب قوم فرعون. فصنعنا به عجلاً كالذي رأيناه يُعبد من دون الله. ثم ألقيت على هذا العجل أثر الرسول الذي هو جبريل. فبدأ يُصدر صوتاً وقلت للناس إنه إلههم من دون الله."

قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ ۝ قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي

طه، الآيات 95-96

فنزل العذاب حينئذ بالسامري. قال له موسى (عليه السلام): "يا سامري، ستعيش في هذه الدنيا، ولن تمسّ أحداً ولن يمسّك أحد."

قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ

طه، الآية 97

ولكن موعدك الحقيقي، لعذابك يا سامري، سيكون عند الله (عز وجل).

وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّن تُخْلَفَهُ

طه، الآية 97

وهذا العجل الذي عُبد من دون الله (عز وجل)، سنحرقه الآن. ثم ننسف رماده في الماء. لترى آثار صنعتك يا سامري.

وَانظُرْ إِلَىٰ إِلَٰهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا ۖ لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا ۝ إِنَّمَا إِلَٰهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا

طه، الآيات 97-98

المصادر الأصيلة

القرآن: سورة الأعراف (7:143)، سورة طه (20:83-98)، فيديوهات الشيخ نبيل العوضي

التيه في الصحراء والابتلاءات الإلهية

طُرد السامري وحُرّم عليه أن يُمسّ أو يمسّ أحداً. ثم أخذ موسى (عليه السلام) الألواح التي ألقاها ثم قال لبني إسرائيل: عقوبة من عبد العجل أن يُقتل، لا بد أن يُذبح. وكان الذين عبدوا العجل آلافاً. فقال لهم موسى (عليه السلام): "يا قوم، إن الله يطلب منكم أن تتوبوا، وتوبتكم هي الموت."

فَتُوبُوا إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ

البقرة، الآية 54

وطلعت الشمس وفي أيدي الذين لم يعبدوا العجل سيوف. فأخذوا يقتلون آلاف الناس. في يوم واحد، الذين عبدوا العجل. وأما الآخرون؟ الذين رأوا ولم يقولوا شيئاً. فاختار موسى (عليه السلام) منهم 70 رجلاً. أخذ الـ70، وكانوا خير الناس؛ كانوا من أنفع الناس وأكثرهم عبادة. فقال لهم: "تعالوا معي، لنذهب إلى جبل لنعبد الله ولنسأله المغفرة ليغفر لنا." فذهب موسى (عليه السلام) معهم إلى جبل وغاب موسى (عليه السلام) عن الأنظار. لم يعد الناس يرونه، كان يكلّم ربه. وكان الـ70 من العُبّاد يستغفرون الله (عز وجل). ويدعون الله (عز وجل) ويتضرعون إليه حتى يغفر لهم.

وبعد أن فرغ الله (عز وجل) من تكليم موسى (عليه السلام)، رجع موسى (عليه السلام) إليهم فطلبوا منه طلباً جديداً.

قصة بني إسرائيل، كلما غفر لهم الله (عز وجل) عادوا وارتكبوا ذنباً عظيماً جداً. وتجاوزاً آخر. أتدرون ماذا طلبوا الآن؟ الـ70 عابداً، الـ70 رجلاً صالحاً، يطلبون من إلههم أمراً غريباً. يقولون لموسى (عليه السلام): "يا موسى، سنؤمن بك، ولكن بشرط واحد."

بعد ما سمعتم وما قرأتم والآيات البيّنات التي رأيتم، ما طلبكم؟ قالوا: "نريد أن نرى الله، وإلا لن نؤمن به!"

وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ

البقرة، الآية 55

فأخذت الـ70 رجلاً الرجفةُ والصاعقةُ فأُهلكوا جميعاً. فسأل موسى (عليه السلام) الله (عز وجل) أن يبعثهم من جديد:

ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

البقرة، الآية 56

هكذا بنو إسرائيل، من آية إلى آية، ومن بيّنة إلى بيّنة... ثم يكفرون من جديد. كم عانى موسى (عليه السلام) مع بني إسرائيل.

ورجع موسى (عليه السلام) بالـ70 رجلاً من جديد إلى بني إسرائيل.

ومضى موسى (عليه السلام) ببني إسرائيل عبر صحراء سيناء في اتجاه بيت المقدس، في اتجاه الأرض المقدسة المباركة. ولما وصل إلى بيت المقدس ببني إسرائيل. قال لهم: "ادخلوا هذه الأرض المباركة، هذه الأرض المقدسة التي كتبها الله لكم ولأهل الإيمان." فكيف أجاب بنو إسرائيل موسى (عليه السلام) وهم قرب بيت المقدس:

قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ

المائدة، الآية 22

وعند ذلك تكلّم يوشع بن نون ومؤمن آل فرعون. فذكّرا قومهما بالله (عز وجل) وذكّراهم بتقوى الله (عز وجل). فأجابوا موسى (عليه السلام) بوقاحة:

قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا ۖ فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ

المائدة، الآية 24

قلة أدب مع موسى (عليه السلام). فأجاب موسى (عليه السلام) خائفاً من ربه:

قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي ۖ فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ

المائدة، الآية 25

قال الله (عز وجل):

قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ

المائدة، الآية 26

حرّم الله (عز وجل) عليهم بيت المقدس. مدة 40 سنة حتى يقوم جيل جديد:

أَرْبَعِينَ سَنَةً ۛ يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ

المائدة، الآية 26

سيتيهون في صحراء سيناء لا يدرون كيف يخرجون منها. وكلما مشوا مسيرة أيام رجعوا إلى نقطة البداية. تيه مدة 40 سنة. ثم بعد الـ40 سنة أُذن لهم بدخولها من جديد.

وفي هذا التيه وفي هذه الصحراء، جرت أمور كثيرة تحدّث الله (عز وجل) عن بعضها. فأنزل الله (عز وجل) عليهم طعاماً اسمه المنّ (والمنّ إفراز سكري يخرج من عدة نباتات) وهم في صحراء. طعام لذيذ كانوا يصنعون منه خبزهم. والسلوى، وهي طيور كانت تأتي في كل حين بيسر فيأكلون منها ما شاؤوا:

وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ ۖ كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ

البقرة، الآية 57

وحتى في الماء، كان موسى (عليه السلام) يضرب الصخر بعصاه فتنفجر منه 12 عيناً. لكل ذرية من أبناء يعقوب (عليه السلام) الـ12 عين. يأكلون ويشربون. ومع ذلك ذهبوا إلى موسى (عليه السلام). فقالوا له: "ادعُ لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض." لقد جادلوا موسى (عليه السلام) في كل شيء.

أربعون سنة صبر فيها موسى (عليه السلام)، محتملاً إياهم ومحتملاً بلاءهم.

المصادر الأصيلة

القرآن: سورة البقرة (2:54-57)، سورة المائدة (5:22-26)، فيديوهات الشيخ نبيل العوضي

نهاية موسى وإرثه الخالد

وفي يوم من الأيام، كان هناك رجل غني معهم في تيههم في صحراء سيناء. كان هناك رجل غني وجدوه ميتاً في أول النهار. فبحثوا عن القاتل فلم يجدوه. فذهبوا إلى موسى (عليه السلام) وقالوا: "يا موسى: ادعُ ربك أن يخبرك من قتل هذا الرجل." فدعا الله (عز وجل) وجاءهم موسى (عليه السلام) فقال: "إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة. اذبحوا بقرة، أيّ بقرة."

قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا

البقرة، الآية 67

"نسألك من قتل الرجل فتقول لنا اذبحوا بقرة؟ أهذا استهزاء؟ أهذه مزحة؟"

قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ

البقرة، الآية 67

ثم لما اقتنعوا:

قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ

البقرة، الآية 68

اذبحوا أيّ بقرة! ولكنهم يريدون الجدال، وهم معاندون وأسئلة بلا مبرر.

قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَٰلِكَ ۖ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ

البقرة، الآية 68

كانوا أقوياء فأتعبهم الله (عز وجل). قالوا: "ما لونها؟"

قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ

البقرة، الآية 69

اذبحوا أيّ بقرة بهذه الأوصاف. فرجعوا مرة ثالثة:

قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِن شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ

البقرة، الآية 70

لم تتشابه البقر ولكنه العناد والكبر.

قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَّا شِيَةَ فِيهَا

البقرة، الآية 71

قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ

البقرة، الآية 71

فوجدوها عند يتيم، فسألوه ثمنها وزنها ذهباً، فأعطوه وذبحوا البقرة. فقال: "خذوا شيئاً من عظامها واضربوا بها هذا الرجل." فضربوا الميت فاستيقظ. فدلّ على قاتله وكان ابن أخيه.

كَذَٰلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَىٰ

البقرة، الآية 73

وقعت أحداث كثيرة في هذا التيه، في هذه الأربعين سنة، حتى اقترب أجل موسى (عليه السلام). وكان أخوه هارون (عليه السلام) قد مات قبله، ثم اقترب أجله فدعا الله (عز وجل) أن يميته قرب بيت المقدس. وبالفعل توفّاه الله (عز وجل) ودُفن هناك.

حتى إن نبينا محمداً (صلى الله عليه وسلم) قال: "لو شئت لأريتكم مكانه (قبره) إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر، في صحراء حمراء، عند الكثيب الأحمر، هناك دُفن موسى."

وكان موسى (عليه السلام) من أشد الرسل ابتلاءً من قومه، ولكنه حافظ على صبره وإيمانه إلى النهاية. وتعلّمنا قصته المثابرة أمام الشدائد، والتوكل على الله (عز وجل) في أصعب اللحظات، وأهمية الهداية الإلهية لتجاوز جميع الابتلاءات.

والصلاة والسلام من الله (عز وجل) على موسى (عليه السلام)، كليم الله، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين.

المصادر الأصيلة

القرآن: سورة البقرة (2:67-73)، حديث رواه أحمد، فيديوهات الشيخ نبيل العوضي

هذه القصة مبنية على آيات القرآن والأحاديث الصحيحة. وقد شاهدت 3 فيديوهات للشيخ نبيل العوضي (جزاه الله خيراً) لهذه القصة. عرض مصدر الفيديو كاملاً