مدينة مدين وفسادها
غير بعيد عن مدن سدوم التي في قصة لوط (عليه السلام)، كانت هناك مدينة تُسمى مدين. كانت هذه المدينة معروفة بالتجارة لكنها كانت تغش كثيراً؛ فكانت جميع أسواق المدينة يسودها الغش والكذب والخداع. بل كان الأمر أسوأ من ذلك، فإذا مرّ أحد بمدن مدين فرضوا عليه الضرائب وقطعوا عليه الطريق.
أرسل الله (عز وجل) إليهم النبي شعيب (عليه السلام)؛ وكان شعيب نبياً عربياً. كان قوم مدين يعبدون الأشجار، شجرة تُسمى الأيكة؛ وكانوا يحتالون في الأسواق، ويغشون في الوزن، ويأخذون أموال الناس بغير سبب، ويتعاملون بالربا.
وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ۗ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ
سورة الأعراف، الآية 85
المصادر الأصيلة
القرآن: سورة الأعراف 7:85، سورة هود 11:84
تحريم الغش في التجارة
بعد دعوته إلى توحيد الله (عز وجل)، بدأ شعيب (عليه السلام) يعلّمهم أن تجارتهم وغشهم في الأوزان حرام، وأن الله (عز وجل) لا يقبل ذلك أبداً:
وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ وَلَا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ ۚ إِنِّي أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ
سورة هود، الآية 84
المصادر الأصيلة
القرآن: سورة هود 11:84، سورة الأعراف 7:85-86
إدانة قطاع الطرق والجباة
كان قوم مدين يعتادون الخروج من المدينة، فإذا رأوا قافلة قطعوا عليها الطريق، وسلبوا من كل قافلة جزءاً من أموالها، وأخذوا من الناس ضرائب بغير أي سبب، مكّاسون! وقد لعن الله (عز وجل) "المكّاسين" (بغير أسباب). كانوا يأخذون من الناس المكوس على كل خدمة أو غير خدمة. وكان شعيب (عليه السلام) يذكّرهم قائلاً:
وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا ۚ وَاذْكُرُوا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ ۖ وَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ
سورة الأعراف، الآية 86
المصادر الأصيلة
القرآن: سورة الأعراف 7:86، سورة هود 11:85
سخرية القوم وعنادهم
بعد أن دعا النبي شعيب (عليه السلام) قومه إلى عبادة الله (عز وجل) وحده وإلى ترك التجارة المحرمة والغش والاحتيال والبيوع المنهي عنها وقطع الطريق وتحميل الناس المكوس. بدأوا يردّون عليه ساخرين. النبي شعيب (عليه السلام)، هذا الرجل الذي أرسله الله (عز وجل)، الذي كان بليغاً جداً في الكلام لكنه ضعيف البنية، بدأ قومه يسيئون القول فيه، وكانوا يقولون: يا شعيب (عليه السلام)! دينك وعبادتك وصلواتك تريد أن تتدخل حتى في تجارتنا وفي سوقنا وفي معاملاتنا! ما هذا الدين الذي يتدخل حتى في البيع والشراء؟!
قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ
سورة هود، الآية 87
وما كان يقوله قوم شعيب (عليه السلام) في ذلك الزمان يتكرر حتى في أيامنا هذه! فلا يزال هناك من يزعم أن دين الله (عز وجل) لا يجوز أن يتدخل في الحياة ولا في الاقتصاد، وأنه لا شأن له بالتجارة. وبدأ القوم يسخرون من شعيب (عليه السلام). ومع أنه كان أحكمهم وأرشدهم وأبلغهم، كانوا يسخرون منه قائلين: أنت الرشيد حين تطلب منا هذا!
أَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ
سورة هود، الآية 87
المصادر الأصيلة
القرآن: سورة هود 11:87، سورة الأعراف 7:87-88
حكمة شعيب وصبره
قال لهم شعيب (عليه السلام): يا قوم! إن كان ديني حقاً، وإن كان ما أقوله صدقاً، فماذا أنتم فاعلون؟
قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا
سورة هود، الآية 88
لعلّ ما عندي قليل، ولعلّ عندكم ثروات، لكنكم سلبتم أموال الناس والفقراء، وقطعتم الطرق، وأخذتم المكوس. أما أنا فعندي القليل، لكنه مشروع وحلال:
وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ
سورة هود، الآية 88
المصادر الأصيلة
القرآن: سورة هود 11:88، سورة الأعراف 7:85
الإنذارات الأخيرة والتهديدات
أراد شعيب (عليه السلام) أن ينذر قومه، فقال: يا قوم! إن كراهيتكم لي وعداوتكم إياي ستجرّانكم إلى عذاب من الله (عز وجل). أما تذكرون قوم نوح (عليه السلام) والطوفان؟ أما سمعتم ما فعل الله (عز وجل) بقوم هود (عليه السلام) أو قوم صالح (عليه السلام)؟ و(مثال) قوم لوط (عليه السلام) ليس ببعيد عنكم، لا في المسافة ولا في الزمان.
وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ ۚ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ
سورة هود، الآية 89
فأجابوا ساخرين:
قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا ۖ وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ ۖ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ
سورة هود، الآية 91
كان لشعيب (عليه السلام) رهط عزيز على القوم، ولم يكن رهطه قوياً لكن قومه كانوا يحبون رهطه، ولذلك لم يفعلوا به شيئاً. فأجابهم شعيب (عليه السلام):
قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا ۖ إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ
سورة هود، الآية 92
أجاب بكل ثقة: يا قوم! أنا أحدثكم عن رب العالمين، وأنتم تحدثونني عن رهطي! واشتد ابتلاء النبي شعيب (عليه السلام)؛ فقد أراد قومه أن يخرجوه ومن آمن معه من المدينة. ولما اشتد الأمر، رفع شعيب (عليه السلام) يديه إلى السماء وقال: 'على الله (عز وجل) توكلنا'، ودعا الله (عز وجل) قائلاً:
رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ
سورة الأعراف، الآية 89
المصادر الأصيلة
القرآن: سورة هود 11:89-92، سورة الأعراف 7:89
عذاب يوم الظلة
جاء يوم العذاب؛ فقد أظهروا الكِبر والتجبر والعداوة، وعصوا أمر الله (عز وجل)، وكفروا بنبيهم:
وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا
سورة هود، الآية 94
فأصاب المدينة حرّ شديد، لم يستطع أحد أن يحتمل تلك الحرارة، لكنهم وجدوا سحابة يغطي ظلها مكاناً، فخرج أهل المدينة (الرجال والنساء والأطفال والشيوخ) ليستظلوا بذلك الظل. فاستقروا تحت تلك السحابة، وفجأة أرسلت السحابة لهباً أحرق الناس -
فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ ۚ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
سورة الشعراء، الآية 189
تخيّلوا كيف نزلت النار والبرق لتضربهم وتحرقهم، فعادوا إلى بيوتهم، وهناك بدأت الأرض ترتجّ تحت أقدامهم -
وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ
سورة هود، الآية 94
وهكذا أُهلكت مدينة مدين:
كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا ۗ أَلَا بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ
سورة هود، الآية 95
المصادر الأصيلة
القرآن: سورة هود 11:94-95، سورة الشعراء 26:189
تأمل شعيب بعد الدمار
بعد أن دُمّرت المدينة، رجع النبي شعيب (عليه السلام) ليرى جثث قومه جاثمة، رجع ليرى أن الأرض كلها قد دُمّرت، ليجد الجثث ملقاة على الأرض. ومرّ شعيب (عليه السلام) وسط الجثث والخراب وهو يخاطب الجثث:
فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ ۖ فَكَيْفَ آسَىٰ عَلَىٰ قَوْمٍ كَافِرِينَ
سورة الأعراف، الآية 93
لماذا أحزن على قوم بلّغتهم الرسالة سنين وهم يسخرون ويهددون، وكانوا متكبرين، وظنوا أن أموالهم ستحميهم، وظنوا أن قوتهم ستحميهم من عذاب الله (عز وجل). لقد أُهلك قوم مدين بسبب كفرهم بنبيهم، ونجّى الله (عز وجل) شعيباً (عليه السلام) والذين آمنوا، وطُويت صفحة أخرى من صفحات الأنبياء.
المصادر الأصيلة
القرآن: سورة الأعراف 7:93، سورة هود 11:94-95