أصول أيوب وثروته
تذكرون قصة النبي إسحاق (عليه السلام)، وقد قلنا إن الله (سبحانه وتعالى) وهب له ولدين. سُمّي الأول العيص، وهو أبو الروم، وكانا توأمين، وسُمّي الثاني يعقوب (عليه السلام).
ومن ذرية العيص كان رجل اسمه أيوب (عليه السلام). وأيوب (عليه السلام) من ذرية إبراهيم (عليه السلام). وقد ذكرنا أن جميع الأنبياء بعد إبراهيم (عليه السلام) جاؤوا من ذريته.
قصة أيوب قصة عظيمة. كل واحد منا، إذا نطق باسم أيوب، نطق بكلمة الصبر. فالصبر وأيوب (عليه السلام) كلمتان متلازمتان.
أنعم الله (سبحانه وتعالى) على هذا النبي، ولكنه ابتلاه أيضاً. فما صبر رجل على ما لقيه أيوب. آتاه الله (عز وجل) نعماً كثيرة، من المزارع والأموال والزروع. وأعطاه الله (سبحانه وتعالى) مالاً وثروة كثيرة، وبساتين وثماراً وأشجاراً... وكان أيوب رجلاً غنياً. ووهبه الله (عز وجل) زوجة صالحة. وكان له خدم كثيرون. وكان الناس يرون في أيوب نبياً ورجلاً غنياً. ورزقه الله (سبحانه وتعالى) أربعة عشر من البنين والبنات.
انظروا إلى كل هذه النعم! ماذا يريد الإنسان أكثر من ذلك؟! بلد جميل، وربّ غفور، وهو نبي، وله زوجة صالحة وبنون وبنات، وأموال ومزارع وخدم، وفوق ذلك كله كان يفعل الخير. فيا لها من نعم كان فيها أيوب (عليه السلام)!
المصادر الأصيلة
فيديو الشيخ نبيل العوضي
الابتلاء العظيم - فقدان كل شيء
وفجأة بدأت الابتلاءات. وفي هذه القصة سنتحدث عما لقيه هذا النبي من ابتلاءات، وكيف كان رد فعل أيوب.
بلاء عظيم. لقي هذا النبي من البلاء ما لم يلقه نبي قط. بدأ البلاء بمرض أصاب جسده وألزمه الفراش. وبدأ يفقد أولاده واحداً بعد واحد. وفقد كل ماله وثروته. أين المزارع والزروع؟ لقد احترق كل شيء.
سبحان الله (سبحانه وتعالى)! كيف يفقد المرء كل شيء في لحظة. حتى خدمه تركوه واحداً بعد واحد. ابتلى الله (سبحانه وتعالى) هذا النبي؛ فما قصة هذا الابتلاء؟ وكيف كان رد فعل هذا النبي أمام هذا البلاء؟ لقد كان أيوب مهيأً لمثل هذا الابتلاء لأنه نبي، فماذا سيحدث؟ في قلبه يعلم أن هناك ابتلاءات في الإيمان. أيحسب الإنسان أن يكون مؤمناً دون أن يبتليه الرب (سبحانه وتعالى)؟! إن ابتلاء الإيمان لا بد منه، ولو كان الشخص نبياً.
أصاب المرض أيوب فلزم الفراش، ولم يعد يستطيع تحريك جسده إلا لسانه، لسانه الذي كان يدعو الله (سبحانه وتعالى). فيا له من بلاء! في كل لحظة كان يبلغه موت أحد أولاده. لو فقد أحدنا ولداً واحداً لما احتمل ذلك. فكيف إذا مات الأولاد جميعاً واحداً بعد واحد. أن يكون مريضاً في الفراش، وكل يوم يبلغه موت أحد أولاده حتى مات أولاده كلهم. أربعة عشر من البنين والبنات، لم يبق منهم واحد. وماله فقده أيضاً، فلم يبق له في الدنيا شيء إلا زوجته التي كانت لا تزال تخدمه؛ زوجته التي كانت تأتيه بالطعام.
وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ
سورة البقرة (2:155)
المصادر الأصيلة
القرآن: سورة البقرة، فيديو الشيخ نبيل العوضي
الصبر الكامل - ثمانية عشر عاماً من البلاء
فقد كل ثروته بعد أن كان غنياً؛ فإن كان المرء فقيراً من البداية كان البلاء أهون، أما إذا كان غنياً قوياً ثم فقد ذلك كله. كم سنة بقي في الفراش؟ 18 سنة بقي فيها على هذه الحال، فيا لصبر أيوب! نحن وأولادنا وكل ما نملك. إنا لله (سبحانه وتعالى)، فلماذا اليأس. ضرب أيوب أروع مثال في الصبر، وكان يدعو الله (سبحانه وتعالى) دائماً. كان رجلاً ونبياً صابراً محتملاً. ما قال قط "أفٍّ"، وما فقد الأمل قط.
كانت زوجته تعمل عند الناس بدراهم قليلة، وتشتري الطعام لتُطعم أيوب. هذه الزوجة التي كانت طوال حياتها غنية وأولادها حولها ولها خدم وثروة، ها هي الآن تعمل عند الناس. وفي يوم من الأيام جاءت هذه المرأة الصالحة إلى أيوب فقالت: "يا أيوب، أنت نبي يستجيب الله لك، فادعُ الله أن يشفيك". فنظر إليها أيوب وقال: "يا فلانة، كم مكثت صحيحاً معافى من قبل؟" فأجابت: "70 سنة، مرضت وأنت ابن 70 سنة". فقال: "لقد أنعم الله عليّ بالصحة 70 سنة، أفلا أصبر على المرض مدة 70 سنة أخرى؟"
فيا لاحتمال أيوب! تهرّأ جسده على الفراش، وتركه أقاربه وأصحابه، فلم يبق أحد إلى جانبه؛ خاف الناس أن تنتقل إليهم العدوى فلم يعودوا يقتربون منه. كان هذا المرض يُسبب تهرّؤ جسده، ويتساقط اللحم، وتخرج منه رائحة، فلم يعد الناس يقتربون منه. تصوّروا شخصاً يمرض فيبقى أسبوعاً أو أسبوعين، فلا بد أن يضجر؛ فكيف وهذه 18 سنة، وقد فقد فوق ذلك جميع أولاده وأمواله.
كانت زوجته تذهب لتعمل في البيوت لتأتي بالطعام لأيوب، لكنها كانت تُطرد. كانوا يطردونها، ولا يريدون تشغيلها، ويمنعونها من الاقتراب. ولأي سبب؟! فكيف ستطعمه؟ وماذا سيأكل أيوب؟ وماذا تفعل هذه المرأة الصالحة؟ كان في زمانهم يمكن بيع ضفائر الشعر، فقصّت طرفاً منها وباعته بدراهم قليلة. فاشترت بهذه الدراهم طعاماً ثم حملته إلى أيوب.
من يتصور بلاءً كهذا؟! بلاء لا يدوم يوماً ولا يومين، ولا سنة ولا سنتين، بل 18 سنة. 18 سنة على الفراش وزوجته تعمل عند الناس بعد أن كانت غنية. صارت خادمة بعد أن كانت تُخدم. وفقد جميع أولاده. أين هذا البيت الذي كان ملآن بالبنين والبنات! وأين أولئك الأولاد الذين كان أيوب يريد أن يراهم يكبرون! ماذا جرى؟ ماذا حدث؟ أين الأموال؟ أين الخدم؟
من صبر فإن الله (سبحانه وتعالى) يفرّج عنه لا محالة. لكن هذا البلاء كان شديداً طويلاً. 18 سنة بقي فيها مريضاً على الفراش. فيا له من بلاء! كيف استطاع أن يحتمل كل ذلك؟ كيف يفقد رجل أولاده واحداً بعد واحد، ويفقد كل ثروته، ثم لا يغادر فراش مرضه. هكذا كان البلاء الذي لقيه أيوب، وهكذا كان صبره واحتماله.
الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ
سورة البقرة (2:155-157)
المصادر الأصيلة
القرآن: سورة البقرة، فيديو الشيخ نبيل العوضي
الإنجاء الإلهي والشفاء المعجز
كان أيوب يعلم أن الناس قد طردوها من العمل. فقال لها أيوب: "ألم تقولي لي إن الناس طردوك؟" "بلى يا نبي الله، أجابت، خذ الطعام وسأحدثك". فقال أيوب: "لا والله لا آكل، حدثيني بما جرى، كيف حصلتِ على الطعام؟" فقالت: "كل يا نبي الله، أنت جائع، وأنت ضعيف، وأنت مريض". فقال أيوب: "لا آكل حتى تحدثيني". وكانت زوجته امرأة صادقة. فقالت: "قصصت شعري وبعته" وكشفت خمارها.
رأى أيوب أن زوجته قصّت شعرها لتطعمه. وعند ذلك بلغ الأمر منتهاه. وهناك سيبلغ أيوب أعلى درجات الاحتمال. فدعا ربه قائلاً: "مسّني الضر. وأنت أرحم الراحمين!"
لم يشكُ في دعائه، ولم يسأل سؤالاً محدداً، وإنما قال ببساطة: "مسّني الضر. وأنت أرحم الراحمين!" لقد صبر أيوب سنين طويلة، ولكنه لما رأى ما أصاب زوجته، دعا الله (سبحانه وتعالى)، وبثّ همّه إلى الله (سبحانه وتعالى). وإن أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، كلٌّ على قدر دينه.
كان لأيوب أخوان. وفي يوم من الأيام جاءا إليه وهو مريض على الفراش. وقد اشتد به الحال، فلم يستطيعا الاقتراب منه لرائحته الكريهة. فقال أحدهما للآخر، وأيوب يسمعهما: "لقد رأى الله أن أيوب أذنب ذنباً عظيماً، فلذلك أنزل به هذا البلاء". وللأسف، سمعهما أيوب، فتوجه إلى ربه داعياً: "اللهم! إن كنت تعلم أني لم أبِت شبعان قط وأنا أعلم أن جائعاً واحداً بات تلك الليلة، فصدّقني". فصدّقه الله (عز وجل) وسمع أخواه ذلك. ثم قال: "اللهم! إن كنت تعلم أني لم ألبس قميصاً قط وأنا أعلم أن هناك من لا كسوة له، فصدّقني". فصدّقه الله (عز وجل).
وفي يوم من الأيام كان في بيته مضطجعاً على الفراش، فأوحى الله (سبحانه وتعالى) إلى أيوب. يا أيوب، سيبدأ الفرج. ستبدأ اللحظة التي كان أيوب ينتظرها منذ سنين. الآن سيبدأ الفرج. "اركض برجلك يا أيوب!" فضرب أيوب الأرض برجله، فإذا ماء بارد يتفجر.
ارْكُضْ بِرِجْلِكَ ۖ هَٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ
سورة ص (38:42)
المصادر الأصيلة
القرآن: سورة ص، فيديو الشيخ نبيل العوضي
الإرث الروحي - المثال الأبدي للصبر
بدأ الماء يتفجر تحت قدمي أيوب في البيت. وبدأ الماء المبارك يجري بغزارة. "يا أيوب، اغتسل بهذا الماء". فلما اغتسل أيوب بالماء بدأ المرض يزول. "يا أيوب، اشرب من هذا الماء". فشرب أيوب، فزالت جميع أمراضه الباطنة.
شرب أيوب من هذا الماء، فزال مرض 18 سنة في لحظات. نزل الشفاء من عند ربنا (سبحانه وتعالى)، وبدأ أيوب يتحرك. وهل تدرون؟ ردّ الله (سبحانه وتعالى) على أيوب صحته، بل وشبابه. عاد أيوب شاباً من جديد، وعاد إليه جماله وقوته. فقام فجأة وبدأ يمشي. الله (سبحانه وتعالى) أكبر. كيف انكشف البلاء.
دخلت زوجته تبحث عنه في الفراش، فلم تجده. "أين زوجي؟ من أخذه؟ أحيوان أكله؟ أم لصوص خطفوه؟" فأخذت تبحث في البيت فوجدت شاباً قوياً جميلاً يشبه أيوب.
فسألت: "يا فلان، أما رأيت نبي الله المبتلى؟ والله إنك تشبهه كثيراً!" فابتسم أيوب وقال: "أنا أيوب، أنا زوجك". "أتسخر مني يا فلان!" أجابت الزوجة. "أتسخر مني يا عبد الله! أسألك عن نبي الله المبتلى وأنت تدّعي أنك هو!" فقال أيوب: "والله إنه أنا يا فلانة، أنا أيوب". فرأت أنه يشبه أيوب حين كان شاباً فبكت من الفرح قائلة: "كيف حدث هذا؟ من شفاك؟" فقال: "إنه الله".
وليس ذلك فحسب، فقد دعا الله (سبحانه وتعالى) فعادت زوجته، وكانت عجوزاً، شابة جميلة بفضل الله (سبحانه وتعالى). يا الله! بدأ البلاء ينكشف، وجازى الله (سبحانه وتعالى) أيوب على احتماله وصبره. وردّ الله (عز وجل) الشباب والجمال إلى أيوب وإلى زوجته، ثم ماذا! انظروا كيف يستمر الفرج. وهبه الله (سبحانه وتعالى) بنين وبنات مثل الذين ماتوا، وليس ذلك فحسب! فبساتينه التي احترقت، وأمواله التي ضاعت، وخدمه الذين ذهبوا، ردّ الله (عز وجل) عليه ذلك كله من جديد، حتى إن الذهب كان يتساقط عليه من السماء كالجراد وأيوب يجمعه. فقال له الله (سبحانه وتعالى): "يا أيوب! أما أغنيتك عما تجمع؟" فقال أيوب: "بلى يا رب، ولكن لا غنى لي عن بركتك".
لكن بقي الوعد الذي كان أيوب قد قطعه. فقد أقسم أنه إذا شفاه الله (سبحانه وتعالى) ضرب زوجته 100 ضربة. والآن عليه أن يفي بوعده. فكيف يصنع أيوب؟ فأوحى إليه الله (سبحانه وتعالى): "خذ 100 عود واجمعها معاً واضرب زوجتك ضربة واحدة خفيفة، فتبرّ بقسمك".
هكذا كان أيوب، صبر ففرّج الله (سبحانه وتعالى) عنه. دام البلاء 18 سنة، وتركه الناس، واتهمه الأقارب والأصحاب. لكن جاء الفرج الذي قرنه الله (سبحانه وتعالى) بالصبر.
لقد صارت قصة أيوب (عليه السلام) للبشرية جمعاء المثال الأسمى للصبر أمام الابتلاءات. كل واحد منا، إذا نطق باسم أيوب (عليه السلام)، نطق بكلمة الصبر. فالصبر وأيوب (عليه السلام) كلمتان متلازمتان.
وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ ۗ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا ۚ نِّعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ
سورة ص (38:44)
المصادر الأصيلة
القرآن: سورتا الأنبياء وص، فيديو الشيخ نبيل العوضي