ميلاد ونشأة إبراهيم عليه السلام
وُلد إبراهيم (عليه السلام) في بابل (العراق حالياً) في زمن سادت فيه عبادة الأصنام. كان قومه يعبدون الأصنام والكواكب وأشياء شتى كانوا يعدّونها آلهة.
منذ صغره، وُهب إبراهيم (عليه السلام) ذكاءً استثنائياً وعقلاً ناقداً. كان يرى قومه يسجدون أمام تماثيل من حجر وخشب، لا تستطيع أن تدفع عن نفسها ولا أن تتكلم ولا أن تقدّم أدنى نفع.
وقد اختار الله (سبحانه وتعالى) إبراهيم (عليه السلام) ليكون خليله (صديقه الحميم)، ووهبه طبيعة نقية (الفطرة) تدفعه بالسليقة إلى عبادة الله (سبحانه وتعالى) وحده لا شريك له.
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً ۖ إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ
سورة الأنعام، الآية 74
المصادر الأصيلة
القرآن: سورة الأنعام 6:74-83
تحطيم الأصنام
قرر إبراهيم (عليه السلام) أن يُري قومه عجز أصنامهم. انتظر حتى خرجوا جميعاً إلى عيد، ثم دخل معبدهم وحطّم جميع الأصنام إلا كبيرها.
ولما عاد القوم ووجدوا أصنامهم محطّمة، سألوا من فعل هذا. فأجابهم إبراهيم (عليه السلام) ساخراً: "بل فعله كبيرهم هذا، فاسألوهم إن كانوا ينطقون!"
وضعهم هذا الجواب الذكي أمام تناقضهم. كيف يعبدون أشياء لا تستطيع أن تدفع عن نفسها ولا أن تتكلم؟ كشف هذا الدرس سخف عبادة الأصنام لكل عقل متأمل.
فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ
سورة الأنبياء، الآية 58
المصادر الأصيلة
القرآن: سورة الأنبياء 21:51-67
محنة النار
غضب القوم لرؤية أصنامهم محطّمة وعجزهم عن ردّ حجج إبراهيم (عليه السلام)، فقرروا معاقبته. فأوقدوا ناراً هائلة ليلقوا فيها إبراهيم (عليه السلام).
وبنوا منجنيقاً ليقذفوه في النار لشدة اشتعالها. حتى الملَك جبريل (عليه السلام) عرض عونه على إبراهيم (عليه السلام)، فأجاب: "حسبي الله! ونعم الوكيل."
ولما أُلقي إبراهيم (عليه السلام) في النار، أمر الله (سبحانه وتعالى) النار أن تكون برداً وسلاماً (الآية أدناه مباشرة). فأطاعت النار خالقها، ولم تحرق إلا وثاق إبراهيم (عليه السلام)، فأطلقته بمعجزة.
قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ
سورة الأنبياء، الآية 69
المصادر الأصيلة
القرآن: سورة الأنبياء 21:68-70
سارة وهاجر في مصر
بعد محنة النار، هاجر إبراهيم (عليه السلام) وسارة إلى مصر. وكان يحكم مصر في ذلك الزمن ملك شديد الظلم يستولي على النساء اللواتي يعجبنه.
ولما لقي جند الملك إبراهيم (عليه السلام) وسارة، سألوا: "من هذه المرأة؟" فأجاب إبراهيم (عليه السلام) بحكمة: "هي أختي"، يقصد أخوّتهما في دين الإسلام. والأنبياء معصومون من الكذب - إنما قال إبراهيم (عليه السلام) ذلك ليحمي سارة من الطاغية.
لكن سارة كانت بالغة الجمال، أجمل نساء زمانها. فانبهر الجند وقرروا أن يأخذوها إلى الملك رغم ذلك.
وأمام الملك الظالم، بقيت سارة ثابتة على إيمانها. ولما حاول الملك أن يمسّها، شُلّت يده بمعجزة! "ادعي إلهك لي ولن أؤذيك!" توسّل إليها. فدعت سارة الله (سبحانه وتعالى) فشُفيت يده.
لكن الملك، في فسقه، حاول مرتين أخريين أن يقترب منها، وفي كل مرة كانت يده تُشلّ. وفي المرة الثالثة، أدرك أخيراً أن الله (سبحانه وتعالى) يحمي هذه المرأة الصالحة.
واعترافاً بمنزلة سارة الروحية الرفيعة، أطلق الملك سراحها باحترام وأهداها جارية اسمها هاجر. وسُرّت سارة بهذه الصحبة، فعلّمت هاجر الإسلام والإيمان، فصارت أختها في الدين.
وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا
سورة الطلاق، الآية 3
المصادر الأصيلة
صحيح البخاري 3358
الهجرة إلى مكة ومعجزة زمزم
عاد إبراهيم (عليه السلام) وسارة وهاجر إلى فلسطين. ولما عادوا، لاحظت سارة أن إبراهيم (عليه السلام) قد تقدم به السن ولكن الله (سبحانه وتعالى) لم يرزقه بعد ولداً.
وبكرمها وحكمتها، قالت سارة لإبراهيم (عليه السلام): "خذ هاجر وتزوجها، لعل الله (سبحانه وتعالى) يرزقك بها ولداً." فتزوج إبراهيم (عليه السلام) هاجر، وبفضل الله (سبحانه وتعالى) ولدت أول أبناء إبراهيم (عليه السلام).
وسمّى إبراهيم (عليه السلام) ابنه إسماعيل (عليه السلام) - الذي سيصير هو أيضاً نبياً لله (سبحانه وتعالى). وعقب هذه الولادة، أوحى الله (سبحانه وتعالى) إلى إبراهيم (عليه السلام) أن يهاجر بهاجر وابنهما إسماعيل (عليه السلام) إلى أرض قفر: واد لا زرع فيه ولا ماء ولا سكان. وكان هذا الوادي مكة.
ترك إبراهيم (عليه السلام) هاجر وإسماعيل (عليه السلام) في هذا الوادي الموحش ومعهما قليل من الماء وبعض التمر. ولما بدأ إبراهيم (عليه السلام) يبتعد، جرت هاجر خلفه تنادي: "يا إبراهيم! إلى من تتركنا؟" لكن إبراهيم (عليه السلام) لم يكن يجيب، وقلبه مثقل.
فألحّت هاجر: "يا إبراهيم! آلله (سبحانه وتعالى) أمرك بهذا؟" فنظر إليها إبراهيم (عليه السلام) وأجاب: "نعم، ربي العلي أمرني بذلك."
فأجابت هاجر، بإيمانها الكامل، واثقة: "إذن اذهب! لن يضيّعنا الله (سبحانه وتعالى)." وكما يذكّر القرآن، فعلى الله يتوكل المؤمنون.
فتركهما إبراهيم (عليه السلام)، خليل الله (سبحانه وتعالى)، في تلك الأرض القفر، بين جبال ذلك الوادي الذي لا حياة فيه. ثم صعد إلى قمة جبل، ورفع يديه إلى السماء، ودعا الله (سبحانه وتعالى) لذريته في هذا الوادي غير ذي زرع.
وفيما بعد، لما نفد ماء هاجر وطعامها، أخذ إسماعيل (عليه السلام) الصغير يبكي من الجوع والعطش. فصعدت هاجر إلى تلّ يُسمى الصفا، ثم جرت إلى تلّ آخر يُسمى المروة.
وفي كربها، كانت تجري من أحدهما إلى الآخر وهي تنادي: "هل من مغيث؟ هل من مجيب لندائي؟" وقد سعت هذا السعي سبع مرات بين الصفا والمروة، وأنهت سعيها السابع على المروة.
فعندئذ سمعت صوتاً قرب ابنها. ورأت خيال شخص إلى جانب إسماعيل (عليه السلام)، الطفل الذي كان يبكي من الجوع والعطش. فجرت هاجر إلى ولدها لتغيثه.
وهناك، كان الملَك جبريل (عليه السلام) نفسه هو الذي نزل! فضرب الأرض بجناحه فظهرت عين ماء - خير مياه الأرض جميعاً: ماء زمزم. ولما بدأ الماء يسيل قليلاً، أسرعت هاجر إلى هذه العين المباركة لتسقي ابنها.
رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ
سورة إبراهيم، الآية 37
المصادر الأصيلة
القرآن: سورة إبراهيم 14:37، صحيح البخاري 3364
رؤيا الذبح
لما بلغ إسماعيل (عليه السلام) سنّ السعي مع أبيه، رأى إبراهيم (عليه السلام) في المنام أنه يذبح ابنه الحبيب. ورؤى الأنبياء وحي من الله (سبحانه وتعالى)، وكان إبراهيم (عليه السلام) يعلم أنه لا بد أن يطيع.
وبقلب مثقل لكنه مستسلم لله (سبحانه وتعالى)، كلّم إبراهيم (عليه السلام) ابنه بما رأى. فأجاب إسماعيل (عليه السلام)، وقد رُبّي على التقوى والطاعة، بحكمة تفوق سنّه: "يا أبتِ، افعل ما تؤمر. ستجدني، إن شاء الله (سبحانه وتعالى)، من الصابرين."
أظهر هذا الجواب كمال التربية التي ربّى بها إبراهيم (عليه السلام) ابنه، وكيف أن حب الله (سبحانه وتعالى) يعلو على كل الروابط الأخرى، حتى أقوى الروابط الأسرية.
فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ
سورة الصافات، الآية 102
المصادر الأصيلة
القرآن: سورة الصافات 37:99-105
امتحان الذبح والفداء الإلهي
ولما أسلما لأمر الله (سبحانه وتعالى) وتلّه إبراهيم (عليه السلام) للجبين، شحذ شفرته. ولما استحدّت السكين، قال الابن لأبيه: "يا أبتِ! اجعل وجهي إلى الأرض."
فسأل الأب: "ولماذا يا بني؟"
"كي لا ترى وجهي فتتردد"، أجاب إسماعيل (عليه السلام).
المصادر الأصيلة
القرآن: سورة الصافات 37:103-109
بناء الكعبة المشرفة
في يوم من الأيام، جلس إبراهيم (عَلَيْهِ السَّلاَم) إلى جانب ابنه إسماعيل وقال: "يا بني! إن الله تعالى قد أمرني بأمر." "وما هو؟ يا أبتِ!" يسأل إسماعيل (عَلَيْهِ السَّلاَم). إن الله تعالى يأمرني أن أبني بيتاً في هذا الوادي. وهذا البيت يُبنى لعبادة الله، بيتاً لله.
المصادر الأصيلة
القرآن: سورة البقرة 2:125-129، سورة آل عمران 3:96-97
الدعوة للحج
ولما بُني البيت (الكعبة)، أمر الله (سبحانه وتعالى) إبراهيم (عَلَيْهِ السَّلاَم) بأمر. قال يا إبراهيم أذّن! أذّن بماذا يا رب سأل إبراهيم (عَلَيْهِ السَّلاَم). أذّن في الناس بالحج أجاب الله (سبحانه وتعالى). أذّن حتى تسمعك البشرية كلها، ليأتوا حجاجاً إلى هذا البيت، ليزوروا هذا البيت.
فقال إبراهيم (عَلَيْهِ السَّلاَم): "يا رب! من يسمعني؟ قال الله (سبحانه وتعالى): يا إبراهيم! عليك الأذان، وعلينا البلاغ! نحن نبلّغ صوتك إلى الناس، فما عليك إلا أن تناديهم يا إبراهيم.
وبالفعل، قام إبراهيم (عَلَيْهِ السَّلاَم) على جبل ونادى قائلاً: يا أيها الناس! يا أيها الناس! إن الله قد كتب عليكم الحج، فحجّوا. قال ابن عباس مفسّراً: أسمع الله (سبحانه وتعالى) هذا النداء كل ما بين السماء والأرض. وحتى في أيامنا، يسمع الناس نداء إبراهيم (عَلَيْهِ السَّلاَم).
وإلى أيامنا هذه، يلبّي الناس نداء إبراهيم (عَلَيْهِ السَّلاَم)، خليل الله (سبحانه وتعالى). وإلى اليوم، يأتي الناس من أمريكا ومن آسيا ومن أفريقيا ومن أستراليا ومن كل مكان في العالم. يأتي الناس حجاجاً إلى مكة قائلين: "لبيك اللهم لبيك. لبيك لا شريك لك لبيك. إن الحمد والنعمة لك والملك. لا شريك لك".
واليوم يأتي الناس حجاجاً إلى بيت الله الحرام (سبحانه وتعالى)، يطوفون حول مكة سبع مرات، ويسعون بين الصفا والمروة متتبعين خطى أم إسماعيل (عَلَيْهِ السَّلاَم). وحين يرمون الجمار، يحيون ذكرى أفعال إبراهيم (عَلَيْهِ السَّلاَم). وحين يذبحون الخروف، يحيون ذكرى إبراهيم (عَلَيْهِ السَّلاَم) في فعل الذبح. وهكذا يتبع الناس خطى إبراهيم (عَلَيْهِ السَّلاَم)، خليل الله (سبحانه وتعالى).
وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ
سورة الحج، الآية 27
المصادر الأصيلة
القرآن: سورة الحج 22:27، ابن عباس، صحيح البخاري
إحياء الطيور الأربعة
في يوم من الأيام، سأل إبراهيم (عليه السلام) الله (سبحانه وتعالى) سؤالاً، وكان هذا السؤال خاصاً. كان إبراهيم (عليه السلام) خليل الله، فقال: "يا رب! أرني كيف تحيي الموتى".
المصادر الأصيلة
القرآن: سورة البقرة 2:260